في مشهد يعيد التذكير بفظاعة ما جرى ليلة 13 يونيو 2023، بدأت السلطات القضائية اليونانية إجراءات محاكمة 17 من عناصر خفر السواحل على خلفية ما اعتُبر “أسوأ كارثة بحرية في تاريخ البلاد الحديث”، حين غرقت سفينة الصيد المتداعية “أدريانا” وعلى متنها أكثر من 750 مهاجراً، بينهم أطفال ونساء، في طريقهم من ليبيا إلى إيطاليا. 

نجا فقط 104 أشخاص، ولم يُعثر سوى على 82 جثة، بينما طوت أمواج البحر الباقين، لتتحول المأساة إلى مرآة قاتمة تعكس ازدواجية المعايير في سياسات أوروبا تجاه المهاجرين، وزيف خطابها الإنساني.

الآن، وبعد ما يقارب العام، تتجه الأنظار إلى أثينا، حيث بدأت محاكمة عناصر من خفر السواحل يُتهمون بالإهمال والتقاعس والتسبب في مقتل مئات الأرواح، من خلال تعمّدهم تأخير الإنقاذ، وتقديم روايات متضاربة، بل ومحاولة طمس الأدلة.

محامو الضحايا ومنظمات حقوقية أكدوا أن ما حدث ليس حادثاً عرضياً بل “جريمة تقصير ممنهج” يرتبط بسياسات الردع الأوروبية أكثر من ارتباطه بعوامل الطقس أو الصدفة.

سياسات الردع أم جهود الإنقاذ؟ خلفية سياسية وإنسانية قاتمة

تشير التفاصيل التي كشف عنها المحامون والمنظمات الحقوقية إلى أن خفر السواحل اليوناني، المموّل والمدعوم من الاتحاد الأوروبي، لم يقم بواجبه الإنساني في إنقاذ الأرواح، بل تعامل مع المهاجرين كتهديد أمني. 

فبينما كانت السفينة تغرق ببطء قرب سواحل بيلوس، وعلى الرغم من البلاغات العاجلة التي تلقتها السلطات من وكالة الحدود الأوروبية “فرونتكس” والمنظمة الحقوقية “ألارم فون”، فإن خفر السواحل استجاب متأخراً بعد ساعات طويلة، وأرسل زورقاً صغيراً من جزيرة كريت بدلاً من قاطرة إنقاذ مجهزة في ميناء قريب.

الأخطر من ذلك هو الادعاء بأن السفينة انقلبت أثناء محاولة سحبها من قبل خفر السواحل، وهو ما يتناقض مع الرواية الرسمية القائلة بأن من على متن السفينة “رفضوا المساعدة”. 

شهادات الناجين تروي قصة مختلفة: خفر السواحل أدار ظهره لصرخاتهم، واستجاب فقط بعد تفاقم الوضع، وعندما حاول السحب، تسببت المناورة في فقدان التوازن وانقلاب القارب.

تطرح هذه الروايات أسئلة جوهرية عن دور خفر السواحل: هل وظيفتهم الحماية أم الردع؟ وهل تحوّلوا، بدفع من السياسات الأوروبية، إلى أدوات ردع وترهيب للمهاجرين بدلاً من أن يكونوا طوق النجاة؟

جريمة بلا كاميرات: محاولة طمس الحقيقة وتواطؤ في القتل

ما يثير الريبة هو الأنباء التي كشفت عنها فرق الدفاع، والتي تشير إلى أن “مسجل بيانات الرحلة” في زورق خفر السواحل كان معطلاً يوم الحادث ولم يتم إصلاحه إلا بعد شهرين، وأنه لم يتم تسجيل أي مقاطع فيديو للواقعة. الأمر الذي فسره المحامون بأنه محاولة متعمدة لإخفاء الأدلة وتضليل التحقيقات.

لم تقتصر المحاكمة على عناصر التنفيذ فقط، بل طالت أيضاً رئيس خفر السواحل آنذاك وضباطاً مسؤولين عن سلامة الملاحة في تلك الليلة، ما يعكس وجود تقصير ممنهج وليس فردياً. 

وقد وصفت ست منظمات حقوقية هذا التطور القضائي بأنه “خطوة مهمة على طريق المساءلة، لكن ما زال الطريق طويلاً لتحقيق العدالة الكاملة”.

الضحايا الذين أطلق عليهم الإعلام الغربي لقب “المهاجرين غير النظاميين”، كانوا في الحقيقة بشراً فارين من الحروب والقهر والفقر. بينهم فلسطينيون وسوريون وباكستانيون، وبعضهم أطفال رضع ونساء حوامل. 

تجاهل الغرب لقصتهم، ثم التبرير الفاتر لما حدث، يعكس زيف الخطابات الأوروبية التي تتغنى بحقوق الإنسان في العلن وتشرعن القتل البطيء في البحار.

الإنسانية التي تغرق عند الشواطئ الأوروبية

ما جرى في بيلوس لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لسياسات الهجرة الأوروبية، التي تقوم على الردع لا على الرحمة. الاتفاقيات مع دول العبور، ودعم خفر السواحل اليوناني والليبي بالتمويل والمعدات والتدريب، كلها تُبنى على هدف واحد: إبقاء المهاجرين بعيداً عن حدود “القارة البيضاء”، ولو كلّف ذلك حياتهم.

محاكمة خفر السواحل اليوناني، رغم رمزيتها، قد لا تكون كافية ما لم تتحول إلى إدانة أوسع للنظام السياسي الذي سمح بتحويل البحر المتوسط إلى مقبرة جماعية. 

فالمسؤولية لا تقع فقط على القبطان أو الضابط، بل على أوروبا كلها التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان بينما تشرّع موت المهاجرين تحت عنوان “السيطرة على الحدود”.

العدالة الحقيقية لن تتحقق فقط بإصدار أحكام قضائية، بل بإعادة النظر الجذرية في السياسات التي تجعل من المهاجر هدفًا مشروعًا للإهمال والتجاهل والموت، فقط لأنه لم يولد في الجانب “الصحيح” من البحر.

اقرأ أيضًا :  العالم يخرج عن صمته.. 80 دولة تدين إبادة غزة وحماس تدعو للمحاسبة