في وقت تتعاظم فيه معاناة الشعب السوداني تحت وطأة الحرب المستعرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، جاء وباء الكوليرا ليزيد الجراح النازفة، مسجّلاً معدلات إصابة ووفاة تنذر بكارثة صحية واسعة النطاق، خاصة في ولاية الخرطوم. 

فبينما أكد وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم أن معدلات الإصابة بالمرض تتراوح بين 600 و700 حالة أسبوعيًا خلال الشهر الماضي، تواترت تقارير متعددة عن وفاة العشرات بسبب تفشي الوباء، وسط عجز واضح في البنية التحتية الصحية، وغياب تام للحلول الوقائية الفعّالة.

ورغم الجهود التي أعلنها الوزير، من تجهيز مراكز لعلاج الكوليرا وتنقية مياه الشرب، إلا أن الوتيرة المتسارعة للمرض تشير إلى أزمة صحية كبرى، تتغذى على ضعف الدولة، وتفاقمها الأطراف الخارجية، وعلى رأسها دولة الإمارات التي تواصل دعمها لقوات الدعم السريع، ما يطيل أمد الحرب ويدمّر ما تبقى من نظام صحي هش.

العدوى تتفشى والمرافق تنهار: مشهد مرعب في الخرطوم

بحسب إفادات من شبكة أطباء السودان، فقد وصل عدد حالات الكوليرا المبلّغ عنها في مستشفى “النو” بأم درمان وحده إلى أكثر من 521 حالة، فيما تم تسجيل 9 وفيات في الأيام القليلة الماضية، وهو ما يعكس انفجارًا وبائيًا يفوق قدرة القطاع الصحي المنهك على الاستجابة. وأشارت تقارير إعلامية أخرى إلى وفاة ما لا يقل عن 51 شخصًا في عموم الخرطوم، وتجاوز الإصابات حاجز الألفي حالة.

الخطير في المشهد أن تلك الإصابات تتزايد بوتيرة سريعة بسبب شح المياه النظيفة وعودة السكان إلى مناطق مدمّرة كجبل أولياء والصالحة بعد استعادتها من قبل الجيش، دون أن تكون هناك أدنى مقومات الحياة. حيث تفتقر هذه المناطق إلى المياه النقية والبنية التحتية، مما يجعلها بيئة خصبة لتفشي الكوليرا والأمراض الأخرى.

ولعل غياب التنسيق بين الأجهزة الصحية، وتدهور القدرة اللوجستية، جعل من المستحيل احتواء الوباء، رغم مطالبات عاجلة من شبكة أطباء السودان للسلطات باتخاذ إجراءات جذرية، تشمل تطهير المناطق العامة، وإغلاق الأسواق العشوائية، ومنع بيع الأطعمة في الشوارع، والتوقف عن نقل المياه بوسائل بدائية.

اليد الإماراتية في خراب السودان

في خضم هذه المأساة الإنسانية، يبرز الدور التخريبي لدولة الإمارات بوصفه عنصرًا محوريًا في استمرار الحرب التي دمّرت البنية التحتية الصحية في السودان.

فبدلًا من دعم الحلول السياسية أو الإغاثة الإنسانية، اختارت أبوظبي دعم ميليشيات الدعم السريع بالسلاح والمال، وفقًا لتحقيقات دولية متطابقة، مما أطال أمد المعارك في الخرطوم ودارفور.

هذا التدخل المشبوه لم يكن تأثيره عسكريًا فقط، بل انسحب على الجانب الإنساني، حيث تسببت الحرب المستمرة، المدعومة خارجيًا، في انهيار القطاع الصحي، وتفشي الأوبئة التي كان يمكن تلافيها لو توفرت بيئة مستقرة.

ولم يقتصر الأمر على الخرطوم، بل امتدت الكارثة الصحية إلى شمال دارفور، حيث أفادت غرفة الطوارئ في الولاية بوفاة 20 امرأة في مدينة الكومة نتيجة نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الخاصة بالولادة الآمنة، في مشهد يذكّر بالكوارث الإنسانية في الدول المنهارة.

من جانبها، اعترفت وزارة الصحة السودانية بتأثر خمس ولايات بشكل كبير بتفشي الكوليرا، مؤكدة صعوبة الأوضاع وتوفير جزء من الميزانيات لتسيير العمل، في وقت تتعثر فيه الإمدادات الطبية بسبب صراع الأطراف المسلحة وغياب الأمن في الطرقات، ما يجعل الوصول إلى المناطق المنكوبة شبه مستحيل.

من الكوليرا إلى المجاعة.. السودان يدفع ثمن التآمر الإقليمي

إن ما يحدث في السودان اليوم لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي المتشابك، الذي تمثل فيه الإمارات أحد اللاعبين الأكثر تأثيرًا على تدهور الأوضاع. 

فمن دعم الميليشيات المسلحة إلى الصمت الدولي إزاء ما تسببت به من دمار شامل، يظل المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر، في ظل موتٍ يتربص به من السماء برصاص الحرب، ومن الأرض بجراثيم الكوليرا والمياه الفاسدة.

وإذا لم تتحرك الهيئات الإقليمية والدولية سريعًا لوقف التدخلات الخارجية، وإجبار الأطراف المتحاربة على التوصل لحل سياسي شامل، فإن الخطر لا يكمن فقط في عدد الوفيات، بل في انهيار كامل للدولة ومؤسساتها. 

الكوليرا ليست سوى عارض من أعراض الأزمة الكبرى، أزمة التدخل الإماراتي وصراع القوى على حساب الإنسان السوداني.

اقرأ أيضًا : رغم الدعم الإماراتي وجرائم الإبادة.. الجيش السوداني يستعيد الدبيبات