في تقرير لافت نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، كشفت مصادر داخل المحكمة الجنائية الدولية أن المدعي العام كريم خان كان يستعد قبل بدء إجازته السنوية لإيداع طلب إصدار أوامر اعتقال ضد اثنين من أبرز الوزراء الإسرائيليين، هما بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، بتهمة توسيع المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية، في خطوة تُعتبر تاريخية إن تم الإفصاح عنها رسميًا.
إلا أن هذه التحركات القضائية تواجه ضغوطًا سياسية هائلة، على رأسها تهديدات من الولايات المتحدة بتجفيف موارد المحكمة وعزلها عن النظام المالي العالمي.

المحكمة الجنائية تحت نيران السياسة: خان في مرمى العقوبات
اللافت أن هذا الكشف جاء بعد أسابيع من تصعيد أميركي غير مسبوق ضد المحكمة، تمثل بفرض إدارة بايدن عقوبات على المدعي العام كريم خان.
قد اتُخذ هذا القرار بعد أيام من إصدار المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم تشمل استخدام سلاح التجويع ضد سكان غزة وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
العقوبات الأميركية شملت تجميد أصول ومنع تعاملات مالية، وهو ما وصفه مسؤولون حقوقيون بأنه تهديد مباشر لاستقلال القضاء الدولي، وإعلان بأن العدالة يجب أن تتوقف عند حدود واشنطن وتل أبيب.
وتخشى مصادر داخل المحكمة من أن تؤدي هذه الخطوة إلى “شل عمل المحكمة فعليًا”، خصوصًا في ظل اعتمادها المالي على الدعم الأوروبي والغربي، ما يجعلها مكشوفة أمام الابتزاز السياسي.
أوامر سرية وقضاة تحت الضغط: هل تحاكم إسرائيل؟
بحسب وول ستريت جورنال، فإن خان أودع مسودة طلبات الاعتقال ضد سموتريتش وبن غفير قبل سفره، فيما أمر قضاة المحكمة بالتكتم الشديد على الأمر تحسبًا لتسريبات قد تُجهض العملية برمتها.
ويبدو أن اختيار اللحظة كان محسوبًا بعناية: فإسرائيل لا تزال تواجه عاصفة دبلوماسية وقانونية بسبب عدوانها المستمر على غزة والضفة، بينما تتزايد عزلة حكومة نتنياهو المتطرفة دوليًا، خصوصًا بعد انسحاب عدة دول لاتينية من علاقاتها معها.
لكن التحدي الأكبر أمام المحكمة ليس قانونيًا بل سياسي بامتياز. فبينما يملك كريم خان وفريقه من الأدلة ما يكفي لإدانة مسؤولي الاحتلال، إلا أن المحكمة تعمل في أجواء تخشى فيها الدول الكبرى من خسارة “حليفتها الأمنية الأولى” في الشرق الأوسط، وهي إسرائيل.
ويُعد كل من سموتريتش وبن غفير من أكثر الشخصيات تطرفًا في الحكومة الإسرائيلية، إذ لا يخفون نيتهم مواصلة توسيع المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، وتجاهل قرارات مجلس الأمن والقانون الدولي. وقد دعا بن غفير مؤخرًا إلى تنفيذ “النكبة الثانية” بترحيل الفلسطينيين، بينما أشرف سموتريتش على عمليات مصادرة أراضٍ فلسطينية واسعة وتصعيد عمليات الجيش والمستوطنين ضد المدنيين.
تواطؤ أميركي… وعدالة منقوصة
تشير الوقائع إلى أن واشنطن لا تكتفي بدعم إسرائيل سياسياً أو عسكرياً، بل تتدخل الآن بشكل مباشر في تعطيل مؤسسات العدالة الدولية التي قد تطال حلفاءها.
فبدلاً من احترام قرارات المحكمة، اختارت الولايات المتحدة التهديد بقطع الموارد والعقوبات وتقييد الحركة، لتُظهر وجهها الحقيقي كعقبة أمام محاسبة مجرمي الحرب.
إن دعم الاحتلال الإسرائيلي بلغ ذروته بعد مذكرة الاعتقال الصادرة ضد نتنياهو وغالانت، إذ شنت إسرائيل حملة إعلامية ودبلوماسية ضخمة ضد المحكمة، ترافقت مع تصريحات علنية من قادة أميركيين يحذرون من “تسييس العدالة الدولية”.
لكن الوقائع تُكذّب هذه المزاعم؛ إذ أن الجرائم التي ترتكبها إسرائيل على مدار الساعة موثقة بالصور والشهادات، من تجويع المدنيين وتدمير المستشفيات إلى الاستهداف الممنهج للصحفيين والأطفال.
خاتمة: المحكمة في لحظة اختبار تاريخية
لا شك أن المحكمة الجنائية الدولية أمام لحظة حاسمة، لا تختبر فقط إرادتها القانونية، بل مصداقيتها الأخلاقية أمام شعوب العالم، وخصوصًا الفلسطينيين. هل تجرؤ المحكمة على تجاوز التهديدات الأميركية وتحقيق العدالة دون انتقائية؟ أم أنها ستخضع كغيرها من المؤسسات الدولية أمام سطوة المال والسياسة؟
إن سعي كريم خان لإصدار مذكرات اعتقال ضد سموتريتش وبن غفير، إن تم، فسيُعد خطوة جريئة في وجه نظام إسرائيلي يتمتع بحصانة دولية مدعومة أميركيًا.
لكن إن تراجعت المحكمة أو تواطأت في تعطيل هذا المسار، فإنها ستفقد ما تبقى لها من شرعية، وستثبت أن العدالة في هذا العالم لا تنطبق على الجميع، بل فقط على الضعفاء.
اقرأ أيضًا : حماس توافق على مقترح ويتكوف.. بداية مفاوضات الهدنة الطويلة رغم تعنت الاحتلال