منذ بداية العدوان الإسرائيلي الواسع على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تكن العمليات العسكرية وحدها هي وسيلة الاحتلال لكسر صمود الفلسطينيين، بل تحوّلت المساعدات الإنسانية نفسها إلى أداة ضغط وسلاح حرب.
فالاحتلال الذي حاصر غزة وخنقها اقتصادياً ومعيشياً، سعى إلى استخدام ملف الإغاثة لإعادة ترتيب أوراق السيطرة في القطاع بعد إخراج “حماس”، وفرض بدائل مدنية وعسكرية موالية له عبر مشاريع عدة، كان عنوانها الظاهر “إغاثة المدنيين”، وحقيقتها “إخضاع السكان”.
لكن وبعد مرور أشهر، تهاوت مشاريع الاحتلال الواحد تلو الآخر، واصطدمت بإرادة أهل القطاع، وتعقيدات الواقع السياسي، وفشل الآلة العسكرية في تحقيق أهدافها المعلنة، وعلى رأسها “تغيير الواقع الأمني والسياسي” في غزة.

الرصيف العائم.. مشروع أمريكي يغرق قبل أن يطفو
مع تصاعد المجاعة في شمال القطاع، اقترح الرئيس الأمريكي جو بايدن في مارس 2024 خطة “الرصيف العائم”، وهو مشروع بحري ضخم لبناء منصة عسكرية أمريكية قبالة ساحل غزة، تُنقل عبره المساعدات من قبرص إلى منصة عائمة، ثم إلى الشاطئ، ومنها إلى الداخل الفلسطيني.
لكن منذ لحظة الإعلان عن المشروع، ظهرت الإشكاليات التقنية والبيئية، وبحلول مايو/أيار، تكررت حالات انفصال الرصيف العائم بسبب الأمواج المرتفعة، ما أدى إلى انجرافه إلى شاطئ عسقلان، وتدميره جزئياً.
وبالكاد دخلت مساعدات محدودة عبر هذا المسار، قبل أن تقرر الولايات المتحدة تفكيك الرصيف نهائياً بعد فشل فني ولوجستي وسياسي، وفقدان المشروع لجدواه في ظل استمرار القصف على الطرق والمستودعات.
مشروع العشائر.. عندما رفض الفلسطينيون بيع سيادتهم
في محاولة للالتفاف على القوى السياسية في غزة، اقترح وزير الحرب الإسرائيلي يوآف غالانت تشكيل إدارة محلية في شمال القطاع تُدار من قبل زعماء عشائريين، على أن تكون مهمتهم توزيع المساعدات وتسيير الحياة المدنية مؤقتاً، بما يضمن تغييب السلطة الفلسطينية وحركة حماس.
غير أن هذه الفكرة انهارت سريعاً، بعد أن رفضت العشائر الفلسطينية التعاون مع الاحتلال، بل وأصدرت بيانات تؤكد دعمها الكامل للمقاومة، وتمسكها بالسيادة الوطنية، ودورها الاجتماعي غير القابل للتسييس.
ورفض وجهاء المخيمات ومخاتير العائلات أن يكونوا أداة في يد المحتل، واعتبروا الفكرة خيانة لقضية شعبهم، وهو ما شكل صفعة مدوية لغالانت، الذي راهن على “الفجوة بين النسيج الاجتماعي والسياسي” في غزة.
فقاعات غالانت.. مشروع أمني فاشل بامتياز
في سياق فشل المخططات السابقة، ابتكر غالانت خطة جديدة تُعرف بـ”الفقاعات الإنسانية”، وتقضي بتقسيم القطاع إلى مربعات أمنية يُحتل كل منها، ثم تُسلّم لإدارة محلية موالية تُدرَّب وتُسلَّح بإشراف الاحتلال، على أن تمارس صلاحيات أمنية ومدنية.
لكن هذه الخطة لم تُنفذ بالكامل، وتعثرت في بداياتها نتيجة إخفاق جيش الاحتلال في السيطرة على مناطق واسعة بشكل دائم، ناهيك عن خسائر بشرية في صفوف الجنود، وصعوبة إيجاد متعاونين محليين في بيئة معادية بشدة للمحتل. كما اصطدمت الخطة برفض أمريكي وأوروبي لأي شكل من أشكال الحكم “البديل” في غزة تحت الاحتلال، مما جعل “الفقاعات” تنفجر في وجه أصحابها قبل أن تتشكل.
الإنزال الجوي.. موت من السماء باسم “الإغاثة”
بعد فشل مشاريع السيطرة الميدانية، لجأت الولايات المتحدة، بدعم إسرائيلي، إلى خطة الإنزال الجوي، التي بدأت فعلياً في فبراير/شباط 2024، وشهدت إسقاط طرود غذائية عبر المظلات من طائرات شحن عسكري.
لكن هذه الطريقة سرعان ما تحولت إلى كارثة إنسانية، بعد أن سقطت الكثير من المظلات في مناطق الاحتلال أو في البحر، أو على رؤوس المواطنين، مما تسبب في سقوط شهداء وجرحى. كما فشلت الطرود في تلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان، وتعرض بعضها للإتلاف بسبب الرطوبة أو انفجار المحتوى.
وفي كثير من الحالات، لم يكن بإمكان السكان الوصول إلى المساعدات التي سقطت قرب الشواطئ، بفعل إطلاق النار من الزوارق الحربية الإسرائيلية، ما حوّل الإنزال إلى استعراض رمزي عديم الفاعلية، استخدمه الإعلام الأمريكي للتغطية على تواطؤه في استمرار الحصار.
غزة تُسقط “هندسة الاحتلال” من بوابة الإغاثة
كل هذه المشاريع تكشف عن استراتيجية إسرائيلية واضحة: استخدام الجوع كأداة لإخضاع شعب بأكمله، والسيطرة على الأرض من خلال المساعدات لا عبر الاحتلال العسكري المباشر فقط. لكن المشروع سقط على أبواب غزة، ليس فقط بفعل الفشل الفني والبيئي، بل لأن الفلسطينيين رفضوا أن يكونوا رهائن “الرغيف المشروط بالولاء”.
فشل إسرائيل في فرض نماذج إدارة مدنية بديلة، وعدم قدرتها على كسر شوكة المجتمع المدني في غزة، أعاد التأكيد على أن السيطرة الأمنية مستحيلة دون إنهاء المقاومة. كما أن المخططات التي قدمها غالانت وباركتها دوائر أمريكية، لم تصمد أمام تعقيد الواقع الفلسطيني ورفض الشارع لكل أشكال التطبيع أو التعاون تحت الاحتلال.
في النهاية، تحولت المساعدات من أداة للاختراق إلى دليل دامغ على إفلاس الاحتلال السياسي والإنساني، وانكشاف سياساته أمام العالم، بينما ما تزال غزة تُقاوم بكل ما فيها من كرامة وجوع ودماء.
اقرأ أيضًا : دروع بشرية ومجزرة إنسانية: وثائق تكشف إجرام الجيش الإسرائيلي في غزة