تعيش آلاف الأسر المصرية حالة من القلق والترقب بعد قرار الحكومة حصر أصول هيئة الأوقاف وطرحها للقطاع الخاص، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا حول شرعية التصرف في هذه الممتلكات التي ارتبطت تاريخيًا بأعمال الخير والخدمات المجتمعية.

القرار الذي ناقشه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مع وزير الأوقاف ورئيس الهيئة، يأتي في سياق خطة أوسع لخصخصة أصول الدولة عبر صندوق مصر السيادي، تنفيذًا لشروط صندوق النقد الدولي، وتحت غطاء “جذب الاستثمار”، بينما يراه معارضون آخر محاولة لسد عجز الميزانية من خلال بيع أملاك الشعب.

تدمير البعد الاجتماعي للأوقاف

أموال الأوقاف كانت تُصرف تقليديًا على طلاب العلم، الفقراء، الأرامل، وصيانة المساجد والمستشفيات. لكن منذ سنوات، تغيّرت السياسة بالكامل. فقد تم رفع إيجارات الأراضي الزراعية بشكل متكرر، ووصل سعر الفدان في بعض المحافظات إلى 24 ألف جنيه، ما أجبر مئات المزارعين على ترك أراضيهم لعجزهم عن تحمل التكاليف، وسط ارتفاع أسعار الزراعة، والوقود، وتراجع مياه الري.

السكان القاطنون في منازل على أراضي الأوقاف بدؤوا يشعرون بالتهديد، بعد مطالبتهم بإعادة التعاقد أو دفع “مصالحة” بمبالغ ضخمة قد تصل إلى 100 ألف جنيه، مما يجعلهم عرضة للطرد في حال التأخير عن السداد.

 إمبراطورية اقتصادية تتعرض للتفكيك

تمتلك هيئة الأوقاف أصولًا تقدّر بنحو 5 تريليونات جنيه، منها 500 ألف فدان زراعي، ومئات آلاف الوحدات العقارية، ومحافظ استثمارية ضخمة في البنوك والشركات، وأراضٍ استراتيجية في مواقع أثرية وتجارية كالأزهر، العتبة، والغورية. كما تمتلك أوقافًا خارج مصر، في اليونان والسعودية وتركيا.

وبدلاً من تطوير هذه الأصول وتحسين إدارتها، تسعى الحكومة لبيعها أو خصخصتها، رغم كونها أموالاً موقوفة لا يجوز التصرف فيها شرعًا وقانونًا.

 “سرقة باسم القانون”

علماء دين وقانونيون وصفوا ما يحدث بـ”السرقة”، مؤكدين أن شرط الواقف في الإسلام ملزم كالنص الشرعي، ولا يحق للدولة ولا لأي مسؤول كائنًا من كان التصرف في الوقف. كما أكدوا أن الأوقاف لم تُمنح للدولة، بل لأعمال البر، وأن أي تصرف فيها هو “جريمة أخلاقية ودستورية”.

 تساؤلات مشروعة

في ظل الغموض حول الجهة التي ستشتري هذه الأصول، ولمن ستذهب عائداتها، تتزايد المخاوف من بيع ممتلكات الأوقاف لصالح مستثمرين أجانب أو دول مثل الإمارات، بأسعار زهيدة، في استكمال لمسلسل بيع أصول الدولة.

 صمت مريب حول أوقاف الكنيسة

ورغم التركيز المتزايد على أملاك الأوقاف الإسلامية، يغيب الحديث تمامًا عن أوقاف الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية، التي تمتلك بدورها مئات الوقفيات الزراعية والعقارية، وتدار بشكل مستقل دون رقابة حكومية حقيقية.

 

يتعامل النظام مع أموال الوقف كرصيد احتياطي يمكن تسييله وقت الأزمات، غير مكترث بقداستها ولا بمقاصد الواقفين. إنها ليست إدارة لأزمة اقتصادية، بل تفكيك لأحد آخر معاقل العدالة الاجتماعية في مصر، تحت عنوان “الإصلاح”، بينما الحقيقة تقول إن الدولة المفلسة تبيع ما لا تملك لتدفع ما لا تُسيطر عليه.

اقرأ أيضا: السيسي يواصل التنكيل بمعارضيه.. انتهاء مدة حبس أحمد الطنطاوي وسط مخاوف من التدوير