في مشهد يفوق الوصف، وضمن سياسة ممنهجة لإبادة الفلسطينيين جوعًا ورصاصًا، استُهدف آلاف المدنيين الفلسطينيين خلال توجههم لتسلّم المساعدات الإنسانية، فيما بدا وكأنه فخ محكم نُصب بعناية بين قذائف الاحتلال وأسلحة شركة أمنية أمريكية تنشط ضمن ما يُفترض أنه “مهمة إنسانية”.

فجر الأحد، استُهدفت حشود من الفلسطينيين في منطقة “مواصي رفح” جنوب قطاع غزة وموقع “نتساريم” جنوب مدينة غزة، خلال محاولتهم الوصول إلى مساعدات باتت تمثّل الأمل الأخير للبقاء على قيد الحياة وسط الحصار والمجاعة. أسفر الهجوم عن استشهاد 31 فلسطينيًا، وإصابة أكثر من 200 آخرين بجروح متفاوتة، بعضهم في حالة حرجة.

اللافت هذه المرة لم يكن فقط إطلاق الرصاص من قبل قوات الاحتلال، بل مشاركة عناصر مسلحة تابعة لشركة أمريكية مسؤولة عن ما يُعرف بـ”مؤسسة إغاثة غزة”، إذ وثّق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قيام هؤلاء المسلحين بإطلاق قنابل الغاز باتجاه المدنيين، في وقتٍ متزامن مع هجوم جويّ نفذته طائرات “كواد كابتر” مُسيّرة تابعة للاحتلال، وقصف مدفعي بالدبابات. هكذا، تحوّلت ساحة المساعدات إلى مجزرة مفتوحة على الهواء الطلق، عنوانها الجوع والموت معًا.

الفوضى المُتعمّدة: سلاح الاحتلال الجديد لإبادة الفلسطينيين

تفاصيل الجريمة تشير إلى أن ما يجري ليس مجرد “انفلات أمني” أو “خطأ ميداني”، بل خطة مدروسة لإحداث فوضى قاتلة، تتعمّد خلق الارتباك، وتستغل اندفاع المدنيين نحو الغذاء لإحكام القتل.

تقول مصادر ميدانية من رفح إن الشركة الأمريكية، التي تعمل تحت غطاء العمل الإنساني، تفتح مراكز توزيع دون أي نظام واضح، ولا تعتمد قاعدة بيانات للمستفيدين. بدلاً من ذلك، يجري الإعلان عن أماكن التوزيع من خلال مكبرات صوت تركبها طائرات مسيّرة إسرائيلية، تنقل نداءات عشوائية للناس بالذهاب إلى نقاط محددة.

وفي ظل غياب أي جدول زمني أو نظام قائم على الرسائل أو الإشعارات المسبقة كما تفعل الهيئات الأممية، يتدافع آلاف الفلسطينيين نحو المواقع، أملاً في الحصول على شحنة أرز أو كيس طحين.

لكن الحقيقة المرة أن الكمية المخصصة للتوزيع لا تكفي سوى لـ10% فقط من الحشود المتجمعة، في ما يبدو أنه تصميم متعمد على خلق حالة فوضى وتدافع تدفع بالأوضاع نحو انفجار إنساني.

وفي كثير من الحالات، يفاجأ الناس بعد ساعات من الانتظار بأنه “لا توجد مساعدات اليوم”، أو بأن التسليم توقف، أو أن الطائرات ستقصف الموقع، فيتحوّل الحشد الجائع إلى صيد سهل للرصاص والدبابات.

الهندسة القاتلة: كيف صُممت المراكز لتُصبح مصائد بشرية؟

تؤكد المعلومات الواردة من شهود ومصادر حقوقية أن الاحتلال الإسرائيلي بالتعاون مع الشركة الأمريكية “هندس” أماكن توزيع المساعدات بطريقة تُسهّل عمليات القتل والاعتقال، حيث تم شق ممرات ضيقة جدًا، محاطة بأسلاك شائكة، تفرض على الناس العبور الإجباري من خلالها، في ظروف خانقة ومزدحمة، مما يجعلهم أهدافًا مكشوفة أمام نيران الطائرات والجنود.

بالتزامن، تنشط وحدات إسرائيلية خاصة في مراقبة مداخل ومخارج هذه الممرات، وتنقضّ على أي شاب يُشتبه بأنه قد يكون من “الجيل المقاوم”. وقد وثّقت مصادر في غزة اعتقال عدد من الشبان خلال الأيام الأخيرة أثناء توجههم إلى نقاط التوزيع في مناطق متفرقة من جنوب القطاع، أبرزها غرب رفح، منطقة “موارج”، ومحيط “نتساريم”.

كل هذه المؤشرات تؤكد أن الاحتلال لا يوزع الغذاء، بل يوزع الموت على مراحل، مستخدمًا سلاح الجوع كأداة ضغط وسيطرة، وسلاح الرصاص كأداة تصفية. أما الشركة الأمريكية، فتلعب دور “المُنسّق الأمني” للمجزرة، من خلال خلق الفوضى، تأخير التوزيع، رفض الإفصاح عن المواعيد، واستخدام الغاز لتفريق الحشود بدل تنظيمهم.

الولايات المتحدة شريك مباشر في المجازر

دور الشركة الأمريكية لا ينفصل عن الدعم المباشر الذي تقدمه الولايات المتحدة للاحتلال الإسرائيلي، ليس فقط من خلال المال والسلاح، بل عبر توفير الغطاء السياسي واللوجستي لاستخدام “المساعدات الإنسانية” كجزء من أدوات الحرب.

في سابقة خطيرة، يتحول العمل الإغاثي إلى أداة للقتل والتصفية، وتُستخدم شركات أمريكية كواجهة “مدنية” لتوزيع مساعدات هي بالأصل شحيحة وغير منظمة، لتصبح مراكز التوزيع ساحات موت، وممرات الإغاثة أفخاخًا محكمة الإغلاق.

المفارقة المأساوية أن هذه المجازر تُرتكب تحت عنوان “العمل الإنساني”، وفي ظل صمت دولي مريب، وسط استمرار إسرائيل في فرض نظام تجويع قسري وصفته منظمات دولية بأنه يرقى إلى “الإبادة الجماعية”. وقد قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان صراحة إن “آلية توزيع المساعدات على النحو القائم حاليًا ليست إلا أداة إضافية في منظومة الإبادة الجماعية”.

إعادة تعريف المساعدات: من الغذاء إلى القتل

إن ما يحدث في قطاع غزة لم يعد مجرد مأساة إنسانية، بل عملية ممنهجة لإعادة تعريف معنى “المساعدات”. لم تعد شاحنات الغذاء تُنقذ الأرواح، بل صارت وسيلة لاصطياد الفقراء والمرضى والمجوّعين في طوابير الموت.

لم يعد السؤال هو “هل ستأتي المساعدات؟”، بل “من سينجو منها؟”، و”من سيسقط برصاص الاحتلال أو اختناقًا بالغاز الأمريكي؟”. 

إن وجود شركة أمنية أمريكية وسط هذا المشهد، وبتورط مباشر في عمليات قمع المدنيين، يفتح باب التساؤل حول أهداف واشنطن الحقيقية من دعم الاحتلال، وهل باتت الشركات الأمنية ذراعًا عسكرية جديدة تستخدمها الولايات المتحدة للتدخل المباشر تحت غطاء مدني؟

خاتمة: المجاعة المُسلّحة.. بين الاحتلال والشركات الأمريكية

إن المشهد في غزة، وبالذات في رفح ومحيط نتساريم، تجاوز كل الحدود المقبولة للانحدار الأخلاقي في إدارة الكوارث. الاحتلال الإسرائيلي يستخدم الجوع سلاحًا، ويحوّل مراكز المساعدات إلى مصائد دموية، فيما تتورط شركات أمريكية أمنية في مسرح المجزرة، وتطلق قنابل الغاز على الجوعى، بدل أن تحميهم أو تنظم الصفوف.

هذا ليس “خطأً في التنسيق”، بل سياسة متعمدة ومنظمة، تعكس دورًا أمريكيًا مباشرًا في دعم الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين، وتكشف أن المساعدات لم تعد تمثل طوق نجاة، بل غطاءً لجرائم حرب.

وبينما ينشغل العالم بصراعات السياسة والبيانات الدبلوماسية، يبقى الشعب الفلسطيني وحيدًا في وجه آلة قتل مزدوجة: الاحتلال من جهة، والشركات الأمنية الأمريكية من جهة أخرى.

اقرأ أيضًا : من الرصيف العائم إلى شركات المساعدات.. الاحتلال يفشل في اختراق غزة