في خضم التصعيد العسكري المتسارع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تعود إلى الواجهة من جديد التساؤلات حول “الخيار النووي” الإيراني غير المعلن: إغلاق مضيق هرمز. 

وهو الممر البحري الذي لا يمر عبره النفط فحسب، بل تمر من خلاله التوازنات الاقتصادية والسياسية العالمية.

تقرير وكالة “بلومبيرغ” الذي استعرض خمسة أسئلة جوهرية حول تداعيات إغلاق هذا الممر الحيوي، يفتح باب النقاش واسعًا حول ما إذا كانت طهران تملك بالفعل أوراق اللعبة، أم أن هذه الورقة ليست سوى تهديد لا يتجاوز حدود الحرب النفسية.

مضيق هرمز: شريان النفط العالمي في مرمى النيران

يقع مضيق هرمز في قلب منطقة الخليج، ويربط بين الخليج العربي والمحيط الهندي، حيث تحده إيران من الشمال، وسلطنة عمان والإمارات من الجنوب. على الرغم من عرضه البالغ نحو 32 كيلومتراً، إلا أن ممراته الملاحية لا تتجاوز 3 كيلومترات في كل اتجاه، ما يجعله خانقًا ومكشوفًا. الأهم من ذلك أن هذا المضيق يمثل عنق الزجاجة الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة هائلة من صادرات الغاز الطبيعي المسال، خاصة من قطر.

وهنا تكمن خطورته، إذ أن أي اضطراب في الملاحة أو تهديد حقيقي بإغلاقه سيعني قفزة جنونية في أسعار النفط، واضطرابًا كبيرًا في أسواق الطاقة، خاصة في آسيا وأوروبا. فهل تجرؤ إيران فعلاً على استخدام هذه الورقة؟

التهديد الإيراني: تكتيك ردعي أم خيار حقيقي؟

تصريح المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بأن أي تدخل أميركي في النزاع القائم سيقابل بـ”أضرار لا يمكن إصلاحها”، قرأه كثيرون على أنه تلميح لإمكانية اللجوء إلى سلاح إغلاق المضيق. وهنا تستعرض بلومبيرغ سؤالاً محورياً: هل تستطيع إيران فعلاً أن تغلق المضيق؟

الجواب، من وجهة نظر المحللين، ليس بهذه البساطة. من الناحية القانونية، لا تملك طهران الحق في تعطيل الملاحة عبر ممر دولي، ومن الناحية الواقعية، فإن إغلاق المضيق سيستلزم استخداماً مباشراً للقوة – سواء عبر الألغام، أو الزوارق الانتحارية، أو الصواريخ من الساحل الإيراني. لكن الرد الأميركي، وبشكل أدق رد الأسطول الخامس الأميركي المتمركز في البحرين، سيكون شبه فوري. وقد سبق أن هددت واشنطن أكثر من مرة بأن أي محاولة لإغلاق هرمز ستُعتبر “خطاً أحمر”.

من هنا يمكن القول إن إيران قد تلجأ إلى “إغلاق غير معلن”، عبر مضايقات محدودة، أو احتجاز ناقلات نفط، أو زرع الألغام البحرية لإبطاء المرور دون إعلان الإغلاق رسمياً. وهو ما يُبقي التهديد حاضراً من دون دفع ثمن المواجهة المباشرة.

الاقتصاد الإيراني بين المطرقة والسندان

المفارقة التي لا تغيب عن المراقبين هي أن إيران نفسها تعتمد على المضيق لتصدير نفطها، خاصة إلى الصين، الشريك الاستراتيجي الرئيسي. وبالتالي، فإن أي خطوة تؤدي إلى إغلاق فعلي أو حتى جزئي للمضيق ستنعكس سلباً على الاقتصاد الإيراني الذي يعاني أصلاً من العقوبات والعزلة الدولية.

فإيران ليست السعودية أو الإمارات التي تملك خطوط أنابيب بديلة لتجاوز المضيق. بل تعتمد عليه بشكل شبه كامل، كما هو الحال مع الكويت وقطر والبحرين. لذلك فإن القرار ليس فقط عسكرياً أو سيادياً، بل هو قرار اقتصادي وجودي. وهنا تكمن معضلة إيران: كيف تردع أعداءها دون أن تطعن اقتصادها بيدها؟

هل حدث هذا من قبل؟

وفق وكالة بلومبيرغ، لم يحدث أن أغلقت إيران مضيق هرمز بشكل كامل في أي وقت مضى. لكنها استخدمت استراتيجية “التشويش البحري” في أكثر من مناسبة. ففي 2024، مثلاً، احتجز الحرس الثوري سفينة حاويات مرتبطة بإسرائيل قرب المضيق، قبيل شن هجوم بطائرة مسيّرة على تل أبيب.

وفي 2023، احتجزت ناقلة أميركية، وفي 2022 ناقلتين يونانيتين. كل هذه الحوادث لم تكن عشوائية، بل رسائل سياسية مغلّفة بأدوات بحرية، تعيد التأكيد على أن إيران قادرة على العبث بممرات الملاحة حين تشاء، دون أن تتورط فعلياً في حرب شاملة.

الدول الأكثر هشاشة… من سيكون أول من ينهار؟

إذا ما قررت إيران أن تمضي حتى النهاية وتغلق المضيق – فعليًا أو عبر تعطيله جزئيًا – فإن أول من سيدفع الثمن هي دول الخليج، لا سيما العراق والكويت وقطر، التي لا تملك خطوط نقل بديلة. العراق مثلاً يصدّر كامل إنتاجه النفطي من جنوب البلاد عبر موانئ ترتبط مباشرة بالمضيق، بينما تملك السعودية خط أنابيب عبر البحر الأحمر، وتملك الإمارات خطًا إلى ميناء الفجيرة على خليج عمان، لكنها لا تغطي كامل الصادرات.

أما الأسواق العالمية، فسترى فورًا ارتفاعًا صاروخيًا في أسعار النفط، وربما تصل الأسعار إلى أكثر من 150 دولارًا للبرميل في غضون أيام، ما لم يتم احتواء الأزمة. وهو ما سيؤدي إلى سلسلة أزمات اقتصادية، تبدأ من آسيا وتمر بأوروبا، لتصل إلى الولايات المتحدة نفسها.

في الختام: مضيق هرمز سلاح دمار اقتصادي شامل

التساؤل الأساسي الذي يطرحه تقرير بلومبيرغ هو ليس “هل ستغلق إيران المضيق؟”، بل “ما الذي سيجبرها على اتخاذ هذا القرار المصيري؟”. فحتى الآن، يبدو أن طهران تتعامل مع التهديد كأداة ردع، لا كرغبة فعلية في الانتحار الاقتصادي والعسكري. لكن مع التصعيد المتسارع، واشتداد وتيرة الضربات الجوية الإسرائيلية والأميركية، قد تجد القيادة الإيرانية نفسها في وضع لا مفر منه سوى التصعيد الكامل.

وفي هذه الحالة، سيكون العالم أمام أحد أكثر السيناريوهات كارثية منذ الحرب العالمية الثانية: حرب بحرية في أخطر ممر للطاقة في العالم، وصراع مفتوح بين إيران والقوى الغربية، وسوق نفط مجنون لا يرحم أحدًا.

اقرأ أيضًا : هل تستطيع إسرائيل حقًا تدمير المفاعلات النووية الإيرانية؟