في تطور يعكس تصدّعًا متناميًا داخل أروقة القرار الإسرائيلي، اتهم وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، جيش الاحتلال الإسرائيلي علنًا بعدم تنفيذ تعليمات القيادة السياسية، خلال اجتماع أمني عُقد مؤخراً بحضور رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وكبار المسؤولين الأمنيين.

ووفق ما نقلته القناة 12 العبرية، فقد أبدى الوزيران غضبًا حادًا من “تراخي الجيش” في تنفيذ خطط السيطرة وإعادة الانتشار في قطاع غزة، مما أثار توترًا كبيرًا داخل الاجتماع الذي يفترض أن يرسم ملامح المرحلة المقبلة.

يبدو أن هذه الاتهامات لم تأتِ من فراغ، بل تعكس خلافًا جوهريًا بين المؤسسة العسكرية، التي تدرك استحالة إخضاع مليوني فلسطيني بالقوة في قطاع محاصر، وبين وزراء في الحكومة الحالية الذين يدفعون باتجاه التصعيد والتطهير الكامل، دون أدنى اعتبار للمعايير الإنسانية أو السياسية أو حتى الواقعية العملياتية.

في ذات الاجتماع، طلب نتنياهو من المؤسسة الأمنية إعداد خطة لإخلاء سكان غزة نحو الجنوب، تمهيدًا لإعادة هندسة السيطرة على القطاع قبل عودته من زيارته المرتقبة إلى واشنطن، في خطوة أثارت قلق رئيس الأركان هرتسي هليفي، الذي حذر من فقدان السيطرة الكاملة إذا تم تنفيذ مثل هذه الخطط المتهورة، والتي تُخالف التقديرات العملياتية على الأرض.

المقاومة تصمد والاحتلال يترنح

بالتزامن مع هذه التوترات، نقلت القناة 13 الإسرائيلية عن توتر حاد نشب بين نتنياهو ورئيس مجلس الأمن القومي تساحي زامير، بعد أن أكد الأخير أن الجيش غير قادر على فرض السيطرة على مليوني فلسطيني في غزة. وقد أثار هذا التصريح امتعاض نتنياهو، الذي يسعى لتثبيت رواية النصر السياسي، ولو على حساب واقعية المعركة.

هذا الصراع الداخلي في المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية يأتي في وقت باتت فيه المقاومة الفلسطينية، بقيادة حركة حماس، تُمسك بخيوط المبادرة. فرغم ما يزيد على تسعة أشهر من العدوان الدموي، ما زال الفلسطينيون في غزة يُظهرون صمودًا مذهلاً أربك الاحتلال سياسيًا وأمنيًا. وقد بات واضحًا أن الاحتلال، الذي راهن على الإنهاك والاستسلام، يواجه الآن “ثباتًا ولّد يأسًا”، على حد وصف أحد المحللين الإسرائيليين.

وبالفعل، نقلت مصادر مطلعة أن حماس سلّمت، يوم الجمعة، ردها الرسمي إلى الوسطاء بشأن المبادرة الأخيرة لوقف إطلاق النار. وقد اتّسم الرد بالإيجابية مع تعديلات بسيطة، لم تمس جوهر المبادرة، بل ركّزت على ضمان تدفق المساعدات الإنسانية، واستمرار عمليات الإغاثة دون تعطيل، إضافة إلى انسحاب قوات الاحتلال خلال فترة التهدئة.

هل تنجح الوساطة الدولية؟ 

في ظل هذه الأجواء، أفادت وسائل إعلام عبرية أن حكومة الاحتلال قررت إرسال وفد تفاوضي إلى الدوحة لبدء جولة جديدة من المفاوضات، وسط تحركات أمريكية-مصرية-قطرية مكثفة لضمان إنجاح الاتفاق. 

لكن القناة 14 الإسرائيلية كشفت أن أبرز نقاط الخلاف تتعلق بانسحاب الجيش الإسرائيلي من مناطق استراتيجية، وتعديل آلية إدخال المساعدات، إضافة إلى الضمانات لاستمرار المفاوضات مستقبلاً.

هنا، تظهر رغبة نتنياهو في المماطلة وشراء الوقت. فهو من جهة يرسل وفدًا إلى قطر، ومن جهة أخرى يسترضي حلفاءه من اليمين المتطرف الذين يعارضون أصل فكرة التفاوض. 

واللافت أن هذه الديناميكية باتت مكررة، إذ سبق أن تم إفشال عدة اتفاقات سابقًا بسبب الضغوط الداخلية، أو لاستخدام الحكومة الإسرائيلية الورقة التفاوضية كورقة علاقات عامة دولية، وليست مسارًا حقيقيًا نحو وقف دائم لإطلاق النار.

وإذا كان موقف حماس قد اتّسم بالواقعية السياسية عبر تقديم تعديلات غير جوهرية، فإن ذلك يُقابل داخل حكومة الاحتلال بشكوك وهواجس، إذ لا يرغب بن غفير وسموتريتش في وقف العدوان قبل تدمير البنية التحتية للقطاع كليًا وتهجير ما تبقى من السكان. 

في المقابل، فإن حركة حماس شددت على ضرورة وجود ضمانات أمريكية واضحة، تَحول دون تجدد القصف الإسرائيلي خلال المفاوضات، وهو ما يعد نقطة اختبار حقيقية لجدية الدور الأمريكي.

خاتمة: ثبات غزة يُفكك المؤسسة الإسرائيلية

التحليل الأوسع للمشهد الإسرائيلي يكشف أن فشل الحكومة في تحقيق أهدافها المعلنة — من القضاء على حماس، إلى إخضاع غزة — تسبب في اهتزاز داخل بنيتها السياسية والأمنية، وانهيار الثقة بين القيادة السياسية والجيش. كما أن صمود سكان غزة وعدم انكسار المقاومة خلق معادلة ردع جديدة لم تعتدها إسرائيل.

وباتت حكومة نتنياهو بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الدخول في تسوية سياسية مشروطة وواقعية تحفظ ماء الوجه، أو استمرار حرب الاستنزاف، مع تآكل الدعم الدولي، واتساع الانقسام الداخلي. 

وفي الحالتين، فإن الخسارة الكبرى هي في انهيار صورة “الجيش الذي لا يُقهر”، والذي تفضحه اليوم اتهامات من داخل حكومته، قبل أن تفضحه صواريخ غزة أو تقارير الأمم المتحدة.

اقرأ أيضًا : اعتراف من الشرق.. هل فتحت موسكو بوابة الشرعية الدولية لطالبان؟