تنطلق اليوم في بوسطن أولى جلسات محاكمة فدرالية مثيرة تتعلق بحقوق التعبير الأكاديمي والطلابي، حيث يقاضي عدد من الطلاب والأساتذة غير المواطنين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، متهمين إياها بتبنّي حملة قمعية ضد الأصوات المؤيدة لفلسطين داخل الجامعات الأميركية.
هذه الدعوى – التي تعتبر من أوائل القضايا الفدرالية التي تصل إلى مرحلة المحاكمة حول هذا الموضوع – تفتح الباب أمام مساءلة سياسية وأخلاقية لممارسات استهدفت حرية التعبير تحت غطاء قوانين الهجرة.
وتطالب الدعوى، المرفوعة من قبل اتحادات جامعية وأكاديميين، القاضي الفدرالي ويليام يونغ بإصدار حكم يعتبر أن سياسة إدارة ترامب ضد الطلاب والأساتذة المؤيدين لفلسطين تنتهك التعديل الأول من الدستور الأميركي، الذي يضمن حرية التعبير، وكذلك قانون الإجراءات الإدارية، الذي يحدد كيفية إصدار السياسات الفدرالية.

الترهيب بالقانون: كيف حوّلت إدارة ترامب الهجرة إلى أداة قمع سياسي؟
منذ تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة في عام 2017، استخدمت إدارته سلطات الهجرة ليس فقط لترحيل المهاجرين غير النظاميين، بل لتضييق الخناق على معارضي السياسات الإسرائيلية، خصوصًا في الجامعات، حيث يتواجد عدد كبير من الطلاب والأساتذة الأجانب. ووفقاً للدعوى، فقد مارست الإدارة ضغوطاً على الجامعات لمراقبة طلابها وأساتذتها، بل وزودتها بقوائم سوداء تضم أسماء النشطاء المؤيدين لفلسطين.
المدّعون في القضية أكدوا أن حملة ترامب شملت إجراءات “منهجية” استهدفت طلابا وأكاديميين شاركوا في مظاهرات مؤيدة لغزة، أو نشروا محتويات تنتقد الاحتلال الإسرائيلي على وسائل التواصل. من بين هذه الإجراءات إلغاء تأشيرات الدخول وبطاقات الإقامة، واعتقالات إدارية بلا تهم جنائية، وصولًا إلى مراقبة حسابات النشطاء.
واستشهد المدّعون بحالة الطالب الفلسطيني محمود خليل، خريج جامعة كولومبيا، الذي قضى 104 أيام في مركز احتجاز فدرالي بعد مشاركته في مظاهرة تضامن مع غزة، واعتبرته إدارة ترامب “الاعتقال الأول من بين كثير قادم”، كما صرّح ترامب شخصيًا. كذلك تحدثت الطالبة رميساء أوزتورك، من جامعة تافتس، عن احتجازها لستة أسابيع فقط لأنها شاركت في كتابة مقال ينتقد تواطؤ الجامعة مع جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة.
وأشارت مذكرة المدّعين إلى أن “السياسة أرغمت الطلاب وأعضاء الهيئة التدريسية على الصمت خوفًا من الترحيل أو العقوبة”، مشيرة إلى تزايد حالات حذف المحتوى السياسي من وسائل التواصل، والتخلي عن الكتابة الأكاديمية، وحتى تجنّب الحديث عن فلسطين داخل قاعات الدراسة.
تضارب الروايات: هل كانت سياسة مكتوبة أم ممارسات سرية؟
من جانبها، أنكرت الحكومة الأميركية وجود “سياسة رسمية” تستهدف مؤيدي فلسطين، ووصفت الدعوى بأنها “اعتراض على سياسة اخترعها المدّعون بأنفسهم”، مضيفة أنه “لا توجد وثائق أو لوائح أو قرارات مكتوبة تثبت هذه السياسة”. كما جادلت بأن تطبيق التعديل الأول في قضايا الهجرة يختلف عنه في القضايا الداخلية، مما يجعل مرافعة المدّعين “غير دقيقة قانونياً”.
لكن المدّعين يردّون بأن عدم وجود وثيقة مكتوبة لا يلغي حقيقة تنفيذ السياسة على الأرض، مشيرين إلى أوامر فعلية صدرت من جهات فدرالية بإلغاء إقامات طلاب وأساتذة فقط لأنهم شاركوا في فعاليات مؤيدة لفلسطين، أو كتبوا مقالات نقدية تجاه الحرب على غزة. وأوضحوا أن المحاكمة ستعرض أدلة على إصدار توجيهات داخلية، وتنفيذ عمليات رقابة على المحتوى الرقمي، وملاحقة أشخاص بسبب آرائهم، وليس بسبب انتهاكهم قوانين الهجرة.
السياق الأوسع: قمع متصاعد بالتزامن مع الحرب على غزة
تأتي هذه القضية في سياق حساس من تصاعد الدعم الشعبي الأميركي لفلسطين، لا سيما بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي راح ضحيتها أكثر من 57 ألف شهيد ومئة ألف جريح، وفق تقارير فلسطينية ودولية، إضافة إلى تدمير البنية التحتية وتشريد أكثر من مليوني شخص، في مشهد وصفه مراقبون بأنه “نكبة جديدة”.
هذه المأساة دفعت موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات الطلابية في الجامعات الأميركية، والتي واجهت، في عهد ترامب وبعده، قمعاً أمنياً وتهديدات إدارية، من بينها فصل طلاب، وملاحقة قانونية، وتهديد بسحب المنح الدراسية أو إلغاء الإقامات.
وتثير القضية الحالية جدلاً دستورياً حاداً في الولايات المتحدة حول حدود حرية التعبير عندما تكون مرتبطة بقضايا دولية شائكة، مثل الدعم لفلسطين. كما تشكل اختباراً قانونياً لمدى قدرة الإدارات الأميركية على استغلال قوانين الهجرة لإخماد الأصوات المعارضة، وتحديداً عندما تكون هذه الأصوات أكاديمية.
خاتمة: اختبار للقضاء الأميركي.. هل ينصف حرية التعبير؟
تُعد هذه المحاكمة لحظة فارقة في الصراع على حرية التعبير داخل الحرم الجامعي الأميركي، وتطرح أسئلة عميقة حول مدى حيادية النظام القضائي في وجه نفوذ الإدارات السياسية. وبينما تحاول إدارة ترامب التنصل من المسؤولية، يصرّ المدّعون على أن ما تعرضوا له لم يكن مجرد صدفة، بل سياسة ممنهجة ذات دوافع سياسية وعنصرية.
وفي حال حكمت المحكمة لصالح المدّعين، فقد يُفتح الباب لتعويضات مالية وربما تغييرات قانونية تقيد قدرة الحكومات المقبلة على استخدام الهجرة كسلاح ضد المعارضين السياسيين. أما إذا تم رفض الدعوى، فسيكون ذلك انتكاسة خطيرة لحرية التعبير في أميركا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، التي ما تزال تكلف الداعمين لها الكثير، حتى في بلد يدّعي أنه حامي الديمقراطية.
اقرأ أيضًا : انقسام بين قيادات الاحتلال.. سموتريتش وبن غفير يتهمان الجيش ويضغطان لتعطيل اتفاق غزة