في تطور خطير ينذر بتصعيد جديد في محافظة المهرة، أقصى شرق اليمن، قتل قائد عسكري بارز في الجيش اليمني وأصيب آخرون في كمين مسلح استهدف قوة حكومية كانت تتحرك لتعزيز الإجراءات الأمنية عقب توقيف شخصية قبلية مرتبطة بجماعة الحوثي.
هذا التصعيد الأمني ليس معزولًا عن سياق الصراع الأوسع الذي تعيشه المهرة منذ سنوات، حيث تتقاطع فيها أطماع إقليمية، خاصة من جانب دولة الإمارات، مع التوترات القبلية الداخلية.
الحدث الأخير يعيد تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني في هذه المحافظة التي ظلت نسبياً خارج نطاق المعارك الدامية شمال اليمن، لكنها لم تكن بمنأى عن محاولات خنقها سياسيًا وأمنيًا ضمن مشروع السيطرة الإقليمي الذي تقوده أبو ظبي.

تفاصيل الحادثة: اعتقال قيادي وكمين مميت
بحسب بيان صادر عن اللجنة الأمنية بمحافظة المهرة، فقد أوقفت السلطات الأمنية مساء الإثنين الماضي القيادي القبلي “محمد أحمد الزايدي”، المنتمي لمحافظة مأرب، أثناء محاولته مغادرة البلاد عبر منفذ صرفيت الحدودي مع سلطنة عُمان، باستخدام جواز دبلوماسي صادر عن سلطة الحوثيين في صنعاء.
السلطات أكدت أن توقيف الزايدي جاء بعد التحقق من وجود اسمه في قوائم المطلوبين، فضلًا عن أن الجواز الذي كان يحمله صادر عن “جهة غير شرعية”، ما دفعها لاعتقاله والتثبت من هويته ووضعه القانوني.
لكن ما كان مثيرًا للقلق هو رصد طقم مسلح تابع للزايدي يتمركز خارج المعبر، ما استدعى رفع حالة التأهب الأمني. وبعد ساعات فقط، وأثناء تحرك قوة عسكرية من مدينة الغيضة باتجاه المعبر، تعرّضت لهجوم مسلح في منطقة دمقوت أسفر عن مقتل العقيد عبد الله زايد، قائد كتيبة الدبابات في اللواء 137 مشاة، وإصابة اثنين من مرافقيه.
الاشتباك السياسي والقبلي.. من يتلاعب بورقة المهرة؟
ما إن وقعت الحادثة، حتى بدأت الاتهامات تتجه نحو “لجنة الاعتصام السلمي”، وهي حركة محلية معارضة للوجود العسكري السعودي والإماراتي في المهرة، يقودها الزعيم القبلي البارز علي سالم الحريزي.
اللجنة، وفي بيانها الذي صدر عقب الحادث، نفت أي صلة لها بما جرى، وأكدت تمسكها بالعمل السلمي، محذرة من “الزج باسمها في أحداث لا علاقة لها بها”. كما دعت إلى إجراء تحقيق شفاف في الحادثة والكشف عن المتورطين الحقيقيين.
لكن اللافت هو توقيت هذا التصعيد، إذ يتزامن مع ضغوط إماراتية مكثفة لتعزيز نفوذها في المهرة، لا سيما في الموانئ والمعابر الحدودية التي تعتبر شريانًا حيويًا لحركة التجارة والدعم اللوجستي. وبالنظر إلى أن المهرة تقع خارج نطاق السيطرة الحوثية وتحتفظ بتماسك نسبي في تركيبتها القبلية والاجتماعية، فقد باتت هدفًا واضحًا لمخططات إضعافها عبر إذكاء الصراعات الداخلية وتمكين الجماعات المسلحة الموالية للإمارات.
الدور الإماراتي الخفي: السيطرة الناعمة بوسائل خشنة
منذ بداية الحرب في اليمن، وضعت الإمارات عينها على المهرة بوصفها منطقة استراتيجية تطل على بحر العرب وتشكّل منفذًا حيويًا بديلًا عن مضيق هرمز. وبحسب تقارير عديدة، فقد عملت أبو ظبي على تجنيد جماعات قبلية، وتقديم الدعم المالي والعسكري لها، في محاولة لتقويض نفوذ القيادات المحلية التي ترفض التبعية للمحور الإماراتي-السعودي.
كما أقدمت أبو ظبي على بناء قواعد عسكرية واستخباراتية في مناطق قريبة من سواحل المهرة، إلى جانب محاولات متكررة لتفكيك النسيج القبلي المتماسك عبر تقديم الإغراءات لزعماء قبليين، أو افتعال الأزمات بهدف خلق فراغ أمني تستغله لاحقًا.
حادثة دمقوت الأخيرة، وإن بدت في ظاهرها عملية رد فعل على توقيف شخصية محسوبة على الحوثيين، إلا أنها تعكس ما هو أعمق من مجرد صراع قبلي أو أمني. إنها جزء من سيناريو أكبر يُراد فرضه على محافظة المهرة، لإضعافها من الداخل ودفعها نحو مربع الفوضى الذي أغرق فيه الجنوب سابقًا.
خاتمة: المهرة على حافة الخطر.. والاحتلال الإماراتي في صلب الأزمة
إن مقتل العقيد عبد الله زايد، في كمين غادر، لا يمكن فصله عن تطورات الوضع في اليمن عمومًا، والمهرة خصوصًا. فبين أطماع الحوثيين المتجددة، وأجندة الإمارات التي لا تزال تسعى للسيطرة على الموانئ والمعابر البحرية والبرية، تقف المهرة اليوم على حافة مرحلة أكثر خطرًا.
وعليه، فإن المسؤولية تقع على الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، لحماية السيادة اليمنية على محافظة المهرة، ومنع القوى الإقليمية، وفي مقدمتها الإمارات، من مواصلة مشروعها التخريبي الذي مزّق البلاد وبدّد مؤسساتها. كما يتطلب الأمر دعمًا شعبيًا ومدنيًا للوقوف في وجه مشاريع العنف والتفكيك، والإصرار على الحلول السلمية التي تحترم إرادة أبناء المحافظة وتمنع تحويل المهرة إلى ساحة حرب جديدة.
اقرأ أيضًا : تهديدات الدبيبة تفجّر الوضع غرب ليبيا: هل تنزلق طرابلس إلى الحرب مجددًا برعاية إماراتية؟