بقلم / مالك المصري
وسط صمت دولي مريب، كشفت الأمم المتحدة عن واحدة من أفظع الجرائم المستمرة بحق المدنيين في قطاع غزة، حيث أعلنت أن 50 ألف امرأة حامل ومرضع لم يتناولن الطعام منذ أيام، وهو ما ينذر بكارثة صحية وشيكة تهدد آلاف الأجنة والرضع بالموت أو التشوه أو الإصابة بأمراض مزمنة طوال حياتهم. هذا الإعلان يأتي في وقت يشهد فيه القطاع المحاصر حرب إبادة شاملة تنفذها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023، وتحاصر فيها السكان بالجوع والنار، وسط دعم أمريكي وتواطؤ غربي فاضح.
التحذير الأممي لم يأتِ من فراغ، بل ترافق مع تصريحات من مدير منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، الذي أكد أن نقص الغذاء والوقود والأدوية “يقتل السكان في غزة”، محذرًا من تدهور صحي كارثي يهدد خاصة الأطفال والنساء. هذه التصريحات تفضح حجم المعاناة التي يتعرض لها أكثر من مليوني إنسان في القطاع، وتكشف عن فصول جديدة من سياسة التجويع الممنهجة التي يتبعها الاحتلال الإسرائيلي كأداة حرب لكسر إرادة الفلسطينيين وإجبارهم على الاستسلام أو الرحيل.
سقوط النظام الصحي وضربات مميتة على المساعدات الإنسانية
الانهيار الصحي الذي حذّر منه غيبريسوس بات اليوم حقيقة دامغة، وهو ما أكدته اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بيان لها، مشيرة إلى أن مستشفاها الميداني في جنوب غزة سجل أكثر من 200 حالة وفاة منذ أواخر مايو فقط، أي منذ بداية ما يسمى بعمليات توزيع المساعدات عبر “مؤسسة غزة الإنسانية”، والتي باتت توصف بأنها غطاء لخطط التهجير.
المنظمة الدولية قالت إن المستشفى استقبل أكثر من 2200 جريح، معظمهم أصيبوا بطلقات نارية خلال 21 حادثة جماعية وقعت في محيط مراكز توزيع المساعدات، مشيرة إلى أن حجم الإصابات وتكرارها لم يسبق لهما مثيل. وفيما كان يُفترض أن تكون هذه المراكز مصدرًا للإغاثة، تحوّلت إلى مصائد موت جماعي للنازحين الجائعين الذين يخاطرون بحياتهم للحصول على كيس دقيق أو علبة حليب.
وتكمن المأساة في أن هذا العنف المتكرر لا يمكن فصله عن سياسة الاحتلال المتعمدة لشلّ نظام المساعدات ومنع وصولها إلى من يستحقها، سواء عبر استهداف التجمعات أو من خلال استمرار إغلاق معابر غزة بالكامل منذ أكثر من 4 أشهر، حيث تمنع إسرائيل دخول أكثر من 90% من الشاحنات، رغم أن القطاع بحاجة إلى ما لا يقل عن 500 شاحنة يوميًا للحد الأدنى من البقاء.
البنية الطبية تنهار والنازحون بلا علاج.. وصيحات لا تجد آذانا
في مشهد آخر من فصول المأساة، أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني توقف العمل في عيادة الزيتون شرق مدينة غزة بعد سقوط قذائف إسرائيلية في محيطها. وكانت هذه العيادة تخدم آلاف المرضى، خصوصًا من النازحين الذين تكدسوا في الأحياء المجاورة إثر أوامر الإخلاء التي أصدرها جيش الاحتلال في مناطق واسعة من شرق المدينة.
إغلاق العيادة يعني حرمان آلاف الأطفال من تلقي التطعيمات الدورية والرعاية الصحية، ودفع النساء الحوامل إلى قطع مسافات طويلة وسط القصف والمخاطر للوصول إلى مراكز بديلة – إن وُجدت أصلًا. ويزيد من مأساوية المشهد أن الاحتلال لا يكتفي بتجويع السكان، بل يتعمد استهداف المرافق الطبية التي تُعد آخر خطوط الدفاع الإنسانية المتبقية أمام انهيار المجتمع الغزي.
في غضون ذلك، تتزايد الانتقادات الدولية – وإن كانت خجولة – حيال طريقة إدارة توزيع المساعدات في القطاع. فقد وصف وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي آلية المساعدات الحالية التي تشرف عليها “مؤسسة غزة الإنسانية” بأنها “غير مقبولة إطلاقًا”، مشيرًا إلى أن الناس يموتون وهم ينتظرون الإغاثة. كما طالب بأن تتولى الأمم المتحدة ووكالاتها المسؤولية المباشرة عن إدخال وتوزيع المساعدات، بعيدًا عن خطط مشبوهة لا تخدم سوى تكريس واقع التجويع والإذلال والتهجير القسري.
جريمة إبادة موثقة بالأرقام.. وأطفال غزة على خط الموت الجماعي
الحصار والتجويع والقتل اليومي في غزة ليس مجرد نتيجة للحرب، بل هو جزء أساسي من عقيدة عسكرية إسرائيلية تعتبر المدنيين الفلسطينيين أدوات ضغط ووسائل تفاوض. أكثر من 194 ألف شهيد وجريح سقطوا منذ بدء العدوان، معظمهم من النساء والأطفال، وأكثر من 11 ألف مفقود تحت الأنقاض، بينما يعاني مئات آلاف النازحين من الجوع، والتشرد، وانعدام الأمل في النجاة.
إن ما يجري في غزة اليوم يتجاوز نطاق الكارثة الإنسانية المعتادة، ويدخل في خانة الجرائم ضد الإنسانية. ومع ذلك، لا تزال إسرائيل تواصل عدوانها بدعم أمريكي واضح، وبتواطؤ بعض المؤسسات الدولية التي تحوّلت إلى أدوات تلميع بدلاً من أن تكون خطوط إنقاذ.
ومع استمرار الحصار والجوع وانهيار البنية الصحية، يلوح في الأفق شبح الموت الجماعي، ليس فقط لمن هم في الميدان، بل أيضًا لأجيال لم تولد بعد. فماذا بقي من الإنسانية إن لم يتحرك العالم لإنقاذ 50 ألف أم وجنين يُقتلون ببطء؟
اقرا أيضًا : “مؤسسة غزة الإنسانية”.. وجه استخباراتي خلف قناع الإغاثة