في تحرك لافت يعكس القلق الإسرائيلي المتزايد من تهديدات جماعة الحوثي، بعثت حكومة بنيامين نتنياهو برسالة إلى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تطالب فيها باستئناف القصف الأمريكي على اليمن. لكن الرد الأمريكي جاء باهتًا، بل أقرب إلى اللامبالاة المحسوبة، ما يثير تساؤلات استراتيجية عن حدود التحالف الأمريكي الإسرائيلي أمام تعقيدات الجغرافيا السياسية الجديدة في الشرق الأوسط.

 تل أبيب في مأزق البحر الأحمر

منذ انطلاق الهجمات البحرية التي تنفذها جماعة الحوثي على السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، وتل أبيب تحاول حشد دعم دولي ضد ما تسميه “التهديد الحوثي لأمن الملاحة العالمية”.
وفي رسالتها إلى إدارة ترامب – التي لم يُعرف إن كانت شفهية أم رسمية – أكدت الحكومة الإسرائيلية أن تصاعد الهجمات اليمنية يهدد أمن إسرائيل القومي، ويجب التعامل معه كتهديد مشترك.

لكن الواقع أن هذه الهجمات لم تكن مفاجئة. فمنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة قبل 22 شهرًا، أعلن الحوثيون انخراطهم في محور الرد الإقليمي، مؤكدين أنهم سيستهدفون كل سفينة متجهة إلى الموانئ الإسرائيلية، سواء كانت إسرائيلية أو مرتبطة بها.

الرسالة لم تصل.. أم تم تجاهلها؟

رغم محاولات إسرائيل تحشيد رد دولي، خصوصًا عبر بوابة واشنطن، فإن رد الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب لم يكن على مستوى تطلعات تل أبيب.
فبحسب ما نقلته شبكة الجزيرة، أكد مسؤول أمريكي أن “الاتفاق مع الحوثيين بشأن حرية الملاحة للسفن الأمريكية لا يزال سارياً”، مضيفًا أن “الهجمات الأخيرة لم تستهدف المصالح الأمريكية بل مصالح إسرائيلية أو مرتبطة بها”، في تبرير ضمني لعدم التدخل العسكري المباشر.

هذا الموقف أثار غضباً في الأوساط الإسرائيلية، حيث يُنظر إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه واشنطن مع الحوثيين في مايو الماضي، بوساطة عمانية، على أنه طعنة في الظهر، خصوصًا بعد أن استثنى إسرائيل من أي ضمانات أمنية.

 تحولات في أولويات واشنطن؟

اللافت أن واشنطن، التي كانت قبل سنوات تقود التحالف العسكري ضد الحوثيين، أصبحت اليوم أكثر ميلاً إلى التهدئة والاحتواء، بدلاً من التصعيد. ويبدو أن الصفقة الهادئة مع الحوثيين باتت جزءًا من استراتيجية أمريكية جديدة لإعادة ترتيب أوراقها في المنطقة بعيدًا عن صراعات الحلفاء.

انسحاب حاملة الطائرات “فينسون” من الشرق الأوسط، والإبقاء فقط على “نيميتز”، يشير بوضوح إلى إعادة تموضع أمريكي عسكري وتقليص الانخراط المباشر في الصراعات غير الأمريكية، وهو ما يُضعف موقف إسرائيل ويزيد من عزلتها الإقليمية.

 الحوثيون: من ميليشيا محلية إلى رقم صعب إقليميًا

بات واضحًا أن الحوثيين، المدعومين من محور المقاومة، استثمروا في الحرب على غزة لتحويل موقعهم من قوة محلية إلى فاعل إقليمي.
فاستهدافهم المتواصل لسفن مرتبطة بإسرائيل، وإطلاقهم صواريخ ومسيرات على عمق الدولة العبرية – من عسقلان إلى إيلات – يعني أن المعركة تجاوزت حدود غزة، وأصبحت حربًا متعددة الجبهات.

وفي هذا السياق، لا يبدو أن الضغط الإسرائيلي على أمريكا سيغير شيئًا، خصوصًا أن واشنطن لا ترغب في تفجير جبهة جديدة قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، كما أنها تدرك أن أي تدخل عسكري مباشر ضد الحوثيين قد يفجّر المنطقة من اليمن إلى لبنان.

اقرأ أيضا: نتنياهو يعود إلى واشنطن كقائد فعلي للمنطقة وترامب ينفّذ الأجندة الصهيونية