شهدت مدن وبلدات الضفة الغربية، أمس الثلاثاء، سلسلة جديدة من الاعتداءات الدموية التي نفذها مستوطنون إسرائيليون، بدعم مباشر أو ضمني من جيش الاحتلال. وتوزعت الهجمات بين إطلاق نار، وتجريف أراضٍ، واقتحامات مسلحة، واعتداءات جسدية طالت المدنيين الفلسطينيين، في سياق حملة تصعيدية متواصلة تهدف إلى ترسيخ السيطرة الاستيطانية وتفريغ الأرض من سكانها الأصليين.

في قرية بيت حسن شمال شرقي نابلس، أصيب شاب فلسطيني برصاص مستوطنين مسلحين، في هجوم يأتي ضمن سلسلة اعتداءات متكررة على القرى المحيطة بنابلس. وفي بلدة سالم شرقي المدينة، أقيمت بؤرة استيطانية جديدة على أراضي المواطنين، مما يعكس استمرار سياسة فرض الأمر الواقع والتوسع الاستيطاني غير الشرعي.

وفي محافظة جنين، اقتحم مستوطنون جبل السالمة في قرية رابا، لكن الشبان الفلسطينيين تمكنوا من طردهم، في مشهد متكرر من المقاومة الشعبية رغم ضعف الإمكانيات. وفي قرية شلال العوجا شمال أريحا، نفذ المستوطنون هجومًا عنيفًا طال السكان وممتلكاتهم. أما في جنوب الضفة، فقد تعرضت قرية بيرين شرق الخليل لمحاولة تجريف جديدة تصدى لها الأهالي بشجاعة، مؤكدين أن الأرض ليست للبيع ولا للاستسلام.

وفي مشهد يعكس تنامي عنف المستوطنين، أُصيب سائق حافلة مقدسي بجراح بليغة بعد تعرضه لضرب مبرح من قبل مستوطنين في القدس المحتلة، في ظل تواطؤ الشرطة الإسرائيلية، التي باتت جزءًا من آلة القمع بدلًا من ردع المعتدين.

جرائم ممنهجة وتهجير قسري.. وتنديد دولي متزايد

لا تنفصل هجمات المستوطنين عن السياق العام للحملة الإسرائيلية في الضفة الغربية، التي تشهد تصعيدًا غير مسبوق منذ بدء العدوان على غزة في أكتوبر 2023. فمنذ ذلك الحين، استُشهد أكثر من ألف فلسطيني في الضفة، وأصيب واعتقل الآلاف، وسط صمت دولي وعربي مخزٍ.

الاحتلال لا يكتفي باعتداءات المستوطنين، بل يواصل عملياته العسكرية والاقتحامات اليومية. فاليوم وحده، نفذت قوات الاحتلال اقتحامات في عدة مدن منها نابلس، جنين، بيت لحم والخليل، وأصابت 12 فلسطينيًا في الخليل، واعتقلت 37 آخرين بينهم طلاب وأسرى محررون.

وفي بيت لحم، أطلقت قوات الاحتلال الرصاص الحي خلال اقتحامها مخيم الدهيشة، بينما شهد مخيم قلنديا في القدس المحتلة عمليات تنكيل بوحشية بحق السكان. هذه الجرائم اليومية باتت روتينًا مرعبًا في ظل حالة من الغياب التام لأي رادع دولي حقيقي.

وفي موازاة ذلك، تتواصل عمليات الهدم في مخيم طولكرم لليوم السبعين على التوالي، في حملة ترقى إلى مستوى التطهير العرقي. وتشير مصادر فلسطينية إلى أن جرافات الاحتلال تهدم بشكل منهجي 104 بنايات تحتوي على 400 وحدة سكنية، تسببت حتى الآن بنزوح آلاف السكان. المشاهد التي حصلت عليها وسائل إعلام كـ”الجزيرة” توثق حجم الدمار، بينما يفرض الاحتلال حصارًا خانقًا على المخيمات منذ أكثر من 6 أشهر.

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان اعتبر أن التهجير القسري الذي تمارسه إسرائيل في الضفة الغربية يشكل انتهاكًا خطيرًا لاتفاقية جنيف الرابعة، وقد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية. كما أكدت المفوضية السامية أن هجمات المستوطنين والجيش الإسرائيلي ترسخ سياسة ضم تدريجية للأراضي الفلسطينية في خرق واضح للقانون الدولي.

محمود عباس.. بين العجز والتواطؤ

في الوقت الذي تنهمر فيه البيانات الأممية المنددة بسياسات الاحتلال، وتتصاعد الاحتجاجات الشعبية، يقف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عاجزًا عن اتخاذ أي موقف حقيقي يوقف نزيف الضفة، بل إن صمته المريب بات يُفسّر في الأوساط الفلسطينية كنوع من التواطؤ.

خلال الأسابيع الماضية، لم يصدر عن عباس أو السلطة أي ردود ذات قيمة أمام تصاعد عمليات القتل والتهجير. بل إن الكثير من الفلسطينيين يرون أن السلطة باتت توفر غطاءً سياسيًا لاستمرار الاحتلال، من خلال التنسيق الأمني، وقمع الاحتجاجات، والتركيز على ملاحقة المعارضين بدلًا من مواجهة الاحتلال.

صمت عباس عن جرائم المستوطنين والهدم الممنهج، وصمته عن تهجير آلاف الفلسطينيين في شمال الضفة، يعكس بوضوح مأزق السلطة التي تحوّلت من مشروع وطني إلى جهاز إداري تحت الاحتلال. حتى حين أعلنت الأمم المتحدة أن إسرائيل ترتكب جريمة ضد الإنسانية، لم تجد السلطة ما تقوله سوى بيانات دبلوماسية باهتة لا تُغير شيئًا في المعادلة.

في ظل هذه الخيانة السياسية والتخاذل الوطني، يطرح الشارع الفلسطيني تساؤلات مؤلمة: ماذا تبقى من “القيادة”؟ ومن يمثل الشعب اليوم؟ هل تكفي بيانات الإدانة حين يُطرد الفلسطيني من بيته، ويُقتل على يد مستوطن تحت حماية الجيش؟ وأين هو عباس من كل هذا النزيف؟

خاتمة: الصمت شراكة في الجريمة

تُجمع التقارير على أن إسرائيل تمضي قدمًا في مشروعها الاستيطاني والتهجيري بالضفة الغربية، مستغلة صمت دولي وخيانة داخلية. وبينما تحاول الأمم المتحدة رفع الصوت وتحذير من جرائم ضد الإنسانية، تواصل القيادة الفلسطينية دفن رأسها في الرمال.

لقد آن الأوان ليتوقف الشعب الفلسطيني عن انتظار من لا يُنقذ، وأن يعيد تنظيم صفوفه في مواجهة مشروع التهجير الكبير، لأن الأرض تُحمى بأهلها لا بالسلطة ولا بالتصريحات. فالصمت ليس فقط عجزًا.. بل شراكة في الجريمة.

اقرأ أيضًا : فضيحة التسريبات الأمنية تهز مكتب نتنياهو: مستشار مقرب يواجه تهمًا بالخيانة