في غضون أيام قليلة فقط، تحولت محافظة السويداء جنوب سوريا من منطقة هادئة نسبياً إلى بؤرة توتر مشتعلة، تصاعد فيها القتال الداخلي، وتدخلت فيها أطراف إقليمية على رأسها الاحتلال الإسرائيلي.

ورغم محاولات التهدئة التي قادها وجهاء الطائفة الدرزية والرئاسة الروحية، فإن التعقيدات الأمنية والسياسية والدينية ألقت بظلالها على المدينة، لتبدو وكأنها ساحة صراع مفتوحة بين السلطة المركزية في دمشق، والفصائل المسلحة، والمواقف الإسرائيلية التي تلعب بالنار على حدود الجنوب السوري.

أسبوع دامٍ.. من حادث سلب إلى معركة شاملة

بدأت شرارة الأحداث، كما تكشف المعلومات، بحادث سلب بسيط على طريق دمشق صباح الأحد الماضي، أدى إلى اشتباكات بين سكان المنطقة ومسلحين، وسقط على إثرها قتلى وجرحى في الجانب الشرقي من المدينة. لكن الحادث لم يُعالج كقضية جنائية، بل تحوّل إلى مدخل لصدام أكبر.

ردّت الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز ببيان عاجل استنكرت فيه التصعيد، ودعت إلى التهدئة و”عدم الانجرار وراء الفتنة”، في مؤشر واضح على قلق ديني واجتماعي من تفاقم الأوضاع.

ولكن ما حدث في اليوم التالي كان أشبه بانفجار كامل للمدينة: 30 قتيلاً من المدنيين، و18 جندياً حكومياً، وأكثر من 100 جريح في اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري ومجموعات مسلحة داخل المدينة.

الحكومة السورية، التي استعادت زمام الحكم بعد سقوط نظام بشار الأسد قبل 7 أشهر، وجدت نفسها في اختبار صعب. هل تتدخل بالقوة في السويداء وتخاطر بصدام أهلي؟ أم تُبقي المدينة خارج سيطرتها وتمنح خصومها مساحة نفوذ؟

الاحتلال يركب موجة الفوضى: غارات إسرائيلية بحجة حماية الدروز

لم تمر ساعات على إعلان الجيش السوري تقدمه نحو السويداء يوم الثلاثاء حتى جاء الرد من تل أبيب. الاحتلال الإسرائيلي شنّ غارات على أطراف المدينة، وصفها وزير الدفاع يسرائيل كاتس بأنها “رسالة تحذير” لحكومة دمشق بعد دخول قواتها إلى السويداء.

وزعم كاتس أن الغارات جاءت لحماية “الدروز”، في مشهد يذكر بتدخلات إسرائيل المتكررة في الجولان السوري، لكن هذه المرة أكثر خطورة لأنها تسعى لخلق نفوذ داخل نسيج سكاني سوري متماسك دينياً وسياسياً.

الجيش الإسرائيلي لم يكتفِ بالغارات الجوية، بل سمحت سلطاته لعشرات الدروز بعبور الحدود نحو سوريا، في خطوة أقل ما توصف به أنها “تفجير للمشهد من الداخل”، واستغلال للروابط الدينية لخدمة أجندات أمنية وعسكرية.

وفي موازاة الغارات، أعلن قائد الأمن الداخلي بالسويداء فرض حظر تجوال “حتى إشعار آخر”، بينما قالت وزارة الدفاع السورية إن “المجموعات الخارجة عن القانون” بدأت بالانسحاب إلى عمق المدينة، وكأنها تعيد تموضعها بانتظار مرحلة جديدة من القتال أو التفاوض.

بين مرحب ورافض.. الانقسام الدرزي يتعمق

عكس موقف الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدرزية ترحيباً بعودة الدولة وفرض الأمن في المدينة، وأعلنت دعمها لوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مساء الثلاثاء مع وجهاء السويداء.

لكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً. ففي اليوم التالي، عادت الاشتباكات، وتصاعدت غارات الاحتلال الإسرائيلي، وهذه المرة طالت العاصمة دمشق، في إشارة إلى تصعيد سياسي وعسكري مباشر ضد الحكومة السورية.

وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس صرّح بوضوح: “سنواصل استهداف القوات السورية حتى تنسحب من السويداء بالكامل”. أي أن الاحتلال لا يخفي نواياه لتكريس فراغ أمني في الجنوب السوري، ربما تمهيداً لإنشاء منطقة عازلة جديدة أو لاستغلال التوتر الطائفي في إعادة رسم حدود السيطرة والنفوذ.

في خضم هذا المشهد المتداخل، أعلن شيخ عقل الدروز يوسف جربوع التوصل لاتفاق جديد مع الحكومة، يقضي بوقف العمليات من جميع الأطراف، وخروج العناصر المسلحة التي تصنفها الدولة كمجموعات خارجة عن القانون.

غير أن هذا الاتفاق شابته ضبابية فورية، إذ خرج الشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز المرجعيات الروحية، لينفي وجود أي اتفاق أو تفويض أو تفاوض مع الحكومة، مؤكدًا استمرار القتال “حتى تحرير كامل تراب المدينة”.

خاتمة: السويداء بين مطرقة الاحتلال وسندان التفكك الداخلي

ما يجري في السويداء ليس مجرد اشتباكات محلية أو خلافات داخلية، بل هو نموذج مصغّر عن فوضى ما بعد الأسد في سوريا. حكومة جديدة تسعى لفرض السيادة على كامل التراب الوطني، واحتلال إسرائيلي يتدخل تحت غطاء “الحماية الدينية”، وطائفة درزية منقسمة بين من يريد الحفاظ على الأمن والاستقرار، ومن يرى في القتال وسيلة لاستقلال القرار المحلي.

وفي الخلفية، تلعب “إسرائيل” لعبتها المعهودة: تستثمر في الشروخ الداخلية، وتُحوّل أي صراع محلي إلى فرصة جيوسياسية لترسيخ غطرستها وتوسيع حدود نيرانها. السويداء اليوم باتت على خط تماس إقليمي، ومع كل غارة إسرائيلية جديدة، يتضاءل أمل الحل الداخلي وتكبر شهوة الاحتلال في الهيمنة على الجنوب السوري من بوابة “حماية الدروز”.

اقرأ أيضًا : “بي بي سي” منبرتبرير المجازر.. كيف خسرت المؤسسة بتحيزها السافر لإسرائيل؟