في مشهد يعكس أقسى درجات الإبادة غير المعلنة، تتوالى التحذيرات من داخل قطاع غزة حول تفاقم الأوضاع الصحية نتيجة الجوع الذي بات السلاح الرئيسي في يد الاحتلال الإسرائيلي لتركيع السكان. المستشفيات تسجل أعدادًا غير مسبوقة من حالات الإعياء الشديد، فيما تحذر وزارة الصحة من خطر موت محتم يهدد المئات.

 

أعراض المجاعة تتصدر أقسام الطوارئ:

مع استمرار الحصار الكامل وإغلاق المعابر منذ مارس الماضي، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة أن المستشفيات تستقبل يوميًا عشرات الحالات من مختلف الفئات العمرية، وصلت إلى أقسام الطوارئ في حالة إعياء شديدة وإجهاد حاد نتيجة نقص الغذاء.

وأكدت الوزارة في بيان لها، أن “أعدادًا غير مسبوقة من المواطنين المجوعين من كافة الأعمار تصل إلى أقسام الطوارئ في حالة إجهاد وإعياء شديدين”، مشيرة إلى أن “المئات من الذين نحلت أجسادهم سيكونون عرضة للموت المحتم نتيجة الجوع وتخطي قدرة أجسادهم على الصمود”.

ويأتي هذا التحذير وسط صمت دولي مخزٍ، في وقت يعاني فيه الفلسطينيون من فقدان أبسط مقومات الحياة، وعلى رأسها الخبز، بعد أن اختفى الدقيق من الأسواق بفعل سياسة التجويع المتعمدة. القليل المتوفر من الطحين يُباع في السوق السوداء بأسعار لا يقدر عليها سكان القطاع، الذين يعيشون على فتات المساعدات أو يضطرون للاعتماد على “الماء والملح” لتسكين جوعهم.

ضحايا الجوع يتزايدون.. أطفال يحتضرون ونساء يصرخن:

أرقام الفاجعة تتحدث عن نفسها. فقد أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن عدد الشهداء جراء نقص الغذاء والدواء بلغ 620 شخصًا منذ بداية العدوان في 7 أكتوبر 2023، مؤكدًا أن الأعداد مرشحة للارتفاع بشكل كارثي.

وأضاف المكتب أن 650 ألف طفل مهددون بالموت نتيجة سوء التغذية والجوع، مشيرًا إلى أن هذه الأرقام تمثل أكبر كارثة إنسانية تشهدها غزة في تاريخها. ومن بين الضحايا المحتملين، 60 ألف سيدة حامل يعانين من انعدام الغذاء والرعاية الصحية، ما يعرضهن وأجنتهن لمخاطر جسيمة على الحياة.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن العديد من النساء الحوامل يلجأن إلى الولادة في ظروف غير صحية، دون أدنى مقومات السلامة، بل إن بعضهن لا يجدن حتى قطعة خبز بعد الولادة، فيما يسجل الأطباء حالات خطيرة من “فقر الدم الحاد” وسوء التغذية لدى المواليد الجدد.

وفي مشفى الشفاء، قال أحد الأطباء العاملين هناك:

“نحن لا نواجه فقط نقصًا في الأدوية والمعدات، بل أمامنا الآن أجساد نحيلة لأطفال بالكاد يستطيعون الوقوف، وأمهات ينهارن بين أيدينا بسبب الجوع. ما يحدث إبادة جماعية بطيئة وبشعة”.

التجويع كسلاح حرب.. جريمة بلا محاسبة:

منذ اندلاع الحرب، يستخدم الاحتلال الإسرائيلي التجويع كأداة فعالة لكسر إرادة سكان غزة، حيث عمد إلى تدمير سلاسل الإمداد الغذائية، استهداف مخازن القمح، منع إدخال المساعدات، بل وشن غارات على المخابز والمراكز الطبية التي تقدم الطعام أو المساعدات الغذائية.

وبحسب منظمات حقوقية دولية، فإن سياسة الحصار ومنع الغذاء والدواء تشكل جريمة حرب مكتملة الأركان بموجب اتفاقيات جنيف. ورغم التحذيرات المتكررة من الأمم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمي ومنظمة الصحة العالمية، فإن الاحتلال ماضٍ في تكثيف سياسة التجويع، وسط تواطؤ دولي وتجاهل غربي فاضح.

ووصفت منظمة “أطباء بلا حدود” الوضع في غزة بأنه “كارثي يفوق الوصف”، مؤكدة أن ما يجري هو تنفيذ ممنهج لسياسة “الموت البطيء” بحق المدنيين. وقالت في بيانها الأخير:

“هذه ليست مجاعة طبيعية، بل مجاعة مصنوعة، هندسها الاحتلال لضرب النسيج الاجتماعي في غزة وتحطيم قدرة السكان على المقاومة”.

وفي هذا السياق، قال الباحث الحقوقي أنور الحلبي إن “ما يحدث في غزة هو مثال واضح على تحويل الغذاء إلى أداة سياسية وإخضاع إنساني، وهو أمرٌ تحرّمه كافة القوانين الدولية، ومع ذلك فإن تل أبيب تمضي في ارتكاب الجريمة تلو الأخرى، دون أي مساءلة أو ضغط حقيقي من المجتمع الدولي”.

خاتمة: المجاعة تكشف وجه الاحتلال الحقيقي

وسط القصف المستمر ودمار البنية التحتية، يواجه الفلسطينيون الآن جبهة أخرى أشد قسوة: الجوع. حرب التجويع التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي ليست مجرد سياسة بل شكل جديد من أشكال الإبادة الجماعية. 

وفي ظل غياب الإرادة الدولية لوقف المجزرة، فإن الأمل الوحيد يكمن في تصاعد الضغط الشعبي العالمي، والتحرك القانوني لمحاكمة الاحتلال على جرائمه بحق شعب أعزل محاصر.

فهل يتحرك الضمير الإنساني قبل أن تتحول غزة إلى مقبرة جماعية لسكانها؟ أم يستمر العالم في دفن الحقيقة تحت ركام الصمت والنفاق؟

اقرأ أيضًا : أبو عبيدة لقادة الأمة: أنتم خصومنا أمام الله ودماء غزة برقابكم