كشفت تقارير صحفية حديثة أن مشروع “نيوم”، أحد أكبر المشاريع التي أطلقها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ضمن رؤية 2030، يمر بمرحلة مراجعة شاملة قد تؤدي إلى تقليص كبير في عدد العاملين، ونقل أكثر من ألف موظف إلى العاصمة الرياض.
هذه الخطوة تأتي في وقت تتزايد فيه الشكوك حول جدوى المشروع الضخم الذي قُدّرت تكلفته المبدئية بنحو 500 مليار دولار، قبل أن تتضخم إلى ما يزيد على 1.5 تريليون دولار، بحسب تقديرات غير رسمية.
التسريبات التي أوردها موقع “سيمافور” تشير إلى أن إدارة المشروع الجديدة بدأت في مراجعة السياسات التي وضعها المدير التنفيذي السابق نظمي النصر، بما يشمل سياسة التمركز في موقع نيوم النائي، وامتيازات الإقامة والعمل، وحتى حجم العمالة المطلوب في المرحلة المقبلة.

التحول نحو الرياض.. كسر لعزلة “الحلم” المهجور
منذ الإعلان عن “نيوم” عام 2017، سعت الحكومة السعودية إلى تقديم المشروع كرمز للتجديد والحداثة في المملكة، يتضمن مدناً خيالية مثل “ذا لاين” و”تروجينا” و”أوكساغون”، يتم تشغيلها عبر الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة. لكن الواقع كان مختلفاً، إذ طُلب من آلاف الموظفين الانتقال إلى منطقة نائية أقصى شمال غرب السعودية، للعمل في كبائن مؤقتة وسط تضاريس صحراوية، مقابل امتيازات مثل السكن المجاني والوجبات اليومية.
اليوم، تتجه إدارة المشروع إلى كسر هذه العزلة. فالخطة الجديدة تشمل نقل أكثر من 1000 موظف إلى العاصمة الرياض، في خطوة تهدف –حسب بعض المصادر– إلى تعزيز الرقابة الإدارية من قبل صندوق الاستثمارات العامة، بعد سنوات من شكاوى داخلية تتعلق بسوء الإدارة، والهدر المالي، و”الترف غير الضروري” في موقع نيوم. وبحسب التقرير، فإن الموظفين الذين سينتقلون إلى الرياض سيُحرمون من الامتيازات السابقة، ما يُترجم فعليًا إلى خفض غير معلن في الرواتب.
بالتوازي، يتم الحديث عن إمكانية تسريح عدد مماثل من الموظفين، في إطار خطة إعادة هيكلة أوسع لم تُعلن تفاصيلها بعد، لكنها تعكس –بحسب مراقبين– تضاؤل الحماسة الرسمية لهذا المشروع.
مشاريع تتقلص.. وطموحات تتراجع أمام أولويات جديدة
من بين أكثر المشاريع الطموحة داخل نيوم كان مشروع “ذا لاين”، الذي أُعلن عنه كمدينة خطية بطول 170 كيلومترًا، خالية من السيارات والانبعاثات، وتضم ناطحتين عملاقتين بارتفاع 500 متر. لكن بحسب المعلومات الجديدة، فإن خطة الإنجاز التي كانت تستهدف عام 2030 تم تقليصها، والتركيز ينصب الآن على تنفيذ أجزاء صغيرة منه فقط، ما يطرح تساؤلات حول واقعية الجدول الزمني والطموحات السابقة.
كذلك لا يزال الغموض يحيط بمصير جزيرة “سندالة” الفاخرة التي افتُتحت في أكتوبر الماضي بتكلفة 4 مليارات دولار، ثم أُغلقت بشكل مفاجئ لاحقًا. مشاريع أخرى مثل “أوكساغون” (المدينة الصناعية) و”تروجينا” (منتجع جبلي شتوي) تستمر، لكن ببطء، وسط مراجعات متكررة.
كل ذلك يأتي بينما يتحوّل تركيز القيادة السعودية نحو استحقاقات دولية كبرى مثل استضافة معرض “إكسبو 2030” في الرياض، وكأس العالم 2034، ما يطرح تساؤلات جوهرية: هل ما زال مشروع نيوم أولوية؟ وهل تراجع دوره كواجهة لرؤية 2030؟
الإدارة الجديدة تواجه الإرث الثقيل.. وتبدأ بتقليم الأحلام
تسلّم أيمن المديفر منصب المدير التنفيذي الجديد لنيوم رسميًا في مايو الماضي، بعد أن شغل منصبًا استثماريًا بارزًا في صندوق الاستثمارات العامة منذ 2018. ويُعرف عن المديفر توجهه نحو الترشيد وتقييم الجدوى الاقتصادية للمشاريع العقارية. ووفقًا لمصادر في “فايننشال تايمز”، بدأ المديفر بإطلاق مراجعة شاملة لكافة المشاريع المرتبطة بنيوم، لتحديد أيّ منها يمكن استكماله وأيّ منها يجب تقليصه أو حتى إلغاؤه.
هذه المراجعة تعكس بوضوح حالة القلق داخل الدولة بشأن الإنفاق المتضخم في ظل تراجع العائدات غير النفطية، وتصاعد الإنفاق العسكري، وتكاليف المشاريع الدولية الكبرى التي تعهدت بها المملكة.
خاتمة: نيوم من حلم مستقبلي إلى عبء اقتصادي؟
في ضوء هذه التطورات، لم يعد مشروع نيوم يُنظر إليه بوصفه “المدينة الحُلم” التي ستعيد تشكيل مستقبل المملكة، بل أصبح –في نظر البعض– عبئًا اقتصاديًا قد يُكلف الخزينة العامة مئات المليارات دون مردود واضح. تخفيض العمالة، نقل المكاتب، إلغاء الامتيازات، والتقليل من حجم المشاريع، كلها مؤشرات على تراجع الزخم.
الانتقادات المتزايدة الموجهة لإدارة ولي العهد، سواء من داخل السعودية أو من قبل جهات اقتصادية عالمية، تؤكد أن التخبط في الأولويات، وسوء التقدير في إدارة المشاريع العملاقة، قد يجرّ المملكة إلى أزمة مالية خانقة إذا لم تتم مراجعة شاملة لرؤية 2030 نفسها.
فهل تكون قرارات “إعادة الهيكلة” بداية نهاية نيوم؟ أم محاولة متأخرة لإنقاذ المشروع قبل أن يغرق في الرمال؟ الأيام المقبلة ستجيب.
اقرأ أيضًا : اضطراب الاقتصاد في عهد بن سلمان يدفع السعودية لفتح باب تملّك الأجانب.. حتى في مكة والمدينة