في تطور جديد في مسار المعارضة السعودية بالخارج، أعلن معارضون سعوديون عن تأسيس كيان سياسي جديد باسم “المجلس الوطني للإنقاذ”، بقيادة شخصيتين بارزتين هما الدكتور سعد الفقيه والدكتور سعيد بن ناصر الغامدي، في خطوة وُصفت بأنها رد مباشر على ما يرونه “تدهورًا خطيرًا” تشهده المملكة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، في ظل إدارة ولي العهد محمد بن سلمان.

https://twitter.com/i/status/1945876153329406339

إنقاذ وطني في مواجهة “الانهيار”

بحسب البيان التأسيسي، فإن المجلس ينطلق من قناعة بأن السعودية تعيش انهيارات متعددة الجوانب تستوجب تحركًا وطنيًا واسعًا، يتجاوز الحلول الإصلاحية الشكلية نحو مشروع شامل يعيد الاعتبار لما وصفوه بـ”الكرامة الإنسانية، والمشاركة الشعبية، والهوية الإسلامية” في الحكم.

الدكتور سعيد الغامدي، المشرف العام على المجلس، وصف ما يجري في المملكة بأنه “أزمة قيم”، مشيرًا إلى أن المظاهر العمرانية الحديثة لا تعكس واقعًا مزدهرًا، بل تخفي وراءها تهميشًا واسعًا، وفقرًا هيكليًا، وتضييقًا ممنهجًا على الحريات.

وقال الغامدي إن المجلس جاء ليكون صوتًا بديلاً عن “الخطاب الرسمي المخادع”، معتبرًا أن الاستبداد الحالي لم يكتف بإسكات الداخل، بل يسعى أيضًا إلى تصدير صورة زائفة عن السعودية للعالم، عبر الترفيه والدعاية، وتلميع صورة ولي العهد في المحافل الدولية، بينما المواطن السعودي يرزح تحت وطأة الغلاء والتضييق.

أربع قضايا جوهرية على أجندة المجلس

حدد المجلس الوطني للإنقاذ أربع قضايا مركزية قال إنه سيبني عليها تحركه السياسي والإعلامي:

  1. العدوان على الهوية الإسلامية: حيث اتهم المجلس النظام السعودي بشن “حرب صريحة” على الطابع الإسلامي للمملكة، من خلال تقييد العلماء، والتضييق على التعليم الديني، ومنع تداول الكتب الإسلامية، مع فتح المجال أمام الأنشطة الترفيهية الغربية والعلمانية.

  2. الانهيار الأخلاقي والاجتماعي: أشار البيان إلى ما وصفه بـ”أزمة عامة في القيم”، وخوف واسع بين المواطنين من التعبير عن آرائهم، في ظل سياسة قمعية تقوم على المراقبة والترهيب والاعتقال، وهو ما انعكس على المجتمع بشكل سلبي.

  3. تفشي الظلم والفساد: حيث اتهم المجلس النظام الحالي بممارسة الاعتقالات التعسفية، والمنع من السفر، وفرض ضرائب باهظة، بالتوازي مع هدر الثروات في مشاريع شخصية لولي العهد مثل نيوم وذا لاين، دون أي رقابة مؤسسية.

  4. الاستبداد الفردي المطلق: وأكد الدكتور سعد الفقيه، الأمين العام للمجلس، أن محمد بن سلمان يقود البلاد بطريقة “شخصية أحادية”، يغيب فيها دور المؤسسات، ما أدى إلى ضياع التريليونات، وترك المملكة على حافة الانهيار الاقتصادي والسياسي.

بنية داخلية للمجلس رغم الخارج

رغم وجود قياداته في الخارج، أكد المجلس أن لديه امتدادًا واسعًا في الداخل السعودي، يشمل نخبا أكاديمية ودينية وأمنية، وحتى موظفين في شركات سيادية كبرى مثل “أرامكو”.

وبحسب الفقيه، فإن المجلس تأسس بعد “دراسة متأنية للتاريخ السعودي والبنية الاجتماعية”، ولا يقوم على ردة فعل آنية، بل على تصور استراتيجي بديل، يطمح لتقديم نموذج سياسي يعيد الشورى والعدالة والمساءلة إلى الحكم.

وأشار إلى أن بعض أعضاء المجلس داخل السعودية يفضلون البقاء مجهولين حاليًا لأسباب أمنية، إلا أنهم يقدمون دعمًا مباشرًا أو غير مباشر في التخطيط والتنسيق.

معارضة تتكاثر.. وصراع على القيادة

تأسيس “المجلس الوطني للإنقاذ” يُضاف إلى قائمة من الكيانات السياسية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة في أوساط المعارضة السعودية بالخارج، مثل “حزب التجمع الوطني” الذي أُعلن عنه عام 2020 في لندن، بقيادة شخصيات مثل عبد الله العودة ويحيى عسيري.

ورغم تباين الخطاب السياسي بين هذه الكيانات، إلا أن القاسم المشترك بينها هو رفض الحكم الفردي لمحمد بن سلمان، والدعوة إلى نظام سياسي جديد يضمن المشاركة الشعبية والعدالة الاجتماعية.

غير أن هذه الكيانات لم تخلُ من الانقسامات والتجاذبات، إذ شهدت منصات التواصل الاجتماعي في السنوات الماضية تراشقًا إعلاميًا بين أطياف المعارضة، لا سيما حول قضايا القيادة، ومصادر التمويل، والتنسيق مع أطراف دولية.

ويُتوقع أن يضيف “المجلس الوطني للإنقاذ” مزيدًا من الزخم لهذه المعارضة، خاصة إذا نجح في تجاوز الخلافات السابقة وتوحيد الصفوف، أو على الأقل لعب دور تنسيقي مع الكيانات الأخرى.

رد على سياسات بن سلمان “المتخبطة والقمعية”

تأسيس المجلس الجديد يأتي في وقت تشهد فيه المملكة حالة من القمع الواسع، وتخبط اقتصادي، وتوترات اجتماعية، بحسب المعارضين.

فسياسات ولي العهد التي تقوم على مركزة السلطة، وتهميش الأصوات النقدية، والتطبيع مع إسرائيل، والانخراط في مغامرات عسكرية واقتصادية مكلفة، دفعت العديد من المثقفين والعلماء ورجال الأعمال إلى الصمت أو الهروب خارج البلاد.

وقد ارتفعت مؤخرًا وتيرة الاعتقالات، وازدادت الرقابة الإلكترونية على المواطنين، في مقابل ضخ مليارات الدولارات في فعاليات ترفيهية وحملات دعائية ضخمة في الغرب لتلميع صورة النظام، وهو ما تعتبره المعارضة دليلًا على الإفلاس السياسي والفكري للنظام القائم.

هل يشكل المجلس الجديد تهديدًا فعليًا؟

رغم أن السلطات السعودية لا تزال تحتفظ بسيطرة مطلقة داخل البلاد، إلا أن تأسيس “المجلس الوطني للإنقاذ” يشير إلى تنامي الوعي السياسي والمعارضة المنظمة خارج المملكة.

ويبدو أن بن سلمان، رغم إحكام قبضته، لم ينجح في القضاء على فكرة البديل السياسي، خاصة مع اتساع القاعدة الشبابية الغاضبة من البطالة، وتراجع الحريات، واستشراء الفساد، وغياب المستقبل السياسي الواضح.

فهل ينجح هذا المجلس في أن يكون نواة لتحرك أوسع داخل المملكة؟ أم أن النظام سيتعامل معه كما تعامل مع محاولات سابقة، عبر التجاهل والتشويه والقمع؟
الأيام القادمة قد تحمل الجواب.

اقرأ أيضًا : غطرسة الاحتلال تُشعل السويداء.. هكذا تطورت الأحداث في أيام قليلة