في غضون أسبوعين فقط، اهتزت تونس على وقع ثلاث وفيات مأساوية داخل السجون، كشفت الستار عن واقع مروّع تعيشه المنظومة السجنية في البلاد، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات حقوقية ملحّة حول القمع المتزايد في عهد الرئيس قيس سعيّد، وتدهور أوضاع حقوق الإنسان، وغياب أبسط معايير الكرامة للمحتجزين، حتى أولئك الذين لم تُدنهم المحاكم بعد.

أرواحٌ تُزهق في صمت: من حازم إلى وسيم
الحكاية الأولى تعود إلى حازم عمارة، شاب لم يتجاوز الرابعة والعشرين، من معتمدية قرمبالية، قضى في سجن بلّي، رغم حالته الصحية الخطيرة. مصاب بالسكري، وخضع لخمس عمليات قلب مفتوح، ومع ذلك لم يُسمح لعائلته بإدخال دوائه، ولم تُوفر له الرعاية الصحية الكافية، بل وُضع في ظروف احتجاز “مهينة” كما وصفت والدته، إذ لم يكن هناك سرير لائق ولا مرحاض يمكن استخدامه بسهولة.
تدهورت حالته سريعًا، إلى أن نُقل لمستشفى الطاهر المعموري، وهناك لفظ أنفاسه الأخيرة يوم 12 يونيو 2025، وهو مكبّل اليدين والقدمين، في صورة تجسّد الإهمال الممنهج الذي يدفع بالسجناء إلى الهلاك. وفاة حازم لم تكن نتيجة مرضه فحسب، بل نتيجة منظومة تنزع عن المرضى حتى حقهم في العلاج.
القصة الثانية، أكثر إيلامًا، إذ تتعلق بـمحمد أمين الجندوبي، شاب في الثانية والعشرين من عمره، مصاب بداء السكري أيضًا، ورغم صدور حكم “عدم سماع الدعوى” في قضيته منذ أشهر، ظل محتجزًا في سجن “المرناقية”. وثّقت والدته معاناته ببث مباشر، أظهره مقيّدًا في زنزانته يعاني غيبوبة متقدمة دون علاج. بعد أيام، تبيّن أن الجندوبي تُوفي منذ عشرة أيام في مستشفى شارل نيكول، دون أن تُبلّغ العائلة. توفي في صمت، وسط صدمة وغضب شعبي تجاه ما وُصف بأنه “تعتيم مقصود”، وغياب كامل للشفافية.
أما ثالث الضحايا، فكان وسيم بن حافظ الجزيري، شاب من مدينة صفاقس، يعاني اضطرابات نفسية مزمنة. أُودع السجن المدني بصفاقس، واشتكى لوالده خلال الزيارة الأخيرة أنه لم يتناول الطعام منذ أربعة أيام. وفي اليوم التالي، أُبلغت عائلته بوفاته، دون تفاصيل، في حالة تُغذي الشكوك حول الإهمال وربما أكثر من ذلك. لم توضح السلطات سبب الوفاة، وامتنعت عن تقديم رواية رسمية، ما عمّق الجرح وأثار غضبًا جديدًا.
منظومة مشبعة بالإهمال.. السجن عقوبة دون حكم
ليست هذه القصص معزولة، بل هي أعراض لأزمة منهجية داخل السجون التونسية. تشير الإحصاءات إلى وجود أكثر من 32 ألف سجين في البلاد، في حين أن الطاقة الاستيعابية لا تتجاوز 18 ألفاً. الفجوة الصارخة تعني اكتظاظًا يفوق 12 ألف سجين، أي أن كل سجن يحتضن أضعاف قدرته، ما يؤدي إلى ظروف احتجاز كارثية تشمل غياب التهوية، وانعدام النظافة، وانتشار الأمراض، وتدهور الصحة الجسدية والنفسية للنزلاء.
ووفقًا لفتحي الجراي، رئيس الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، فإن غالبية المحتجزين هم من الشباب الذين لم تُصدر بحقهم أحكام نهائية، ويقضون فترات طويلة بانتظار البت في قضاياهم، تحت ظروف احتجاز لا تليق بالبشر. هذا الشكل من التوقيف الاحتياطي لا يُعد فقط إجراءًا قانونيًا مؤقتًا، بل يتحوّل في كثير من الأحيان إلى عقوبة غير معلنة.
المنظومة القضائية في عهد قيس سعيّد تعتمد بشكل متزايد على الحبس الاحتياطي كسلاح سياسي وقضائي في آن، وقد اتُهمت باستخدامه ضد خصوم سياسيين ونشطاء، والآن ضد مواطنين عاديين. هذا التوجه، إلى جانب حالة الانهيار داخل السجون، يرسخ واقعًا قمعيًا يجعل الحبس مرادفًا للموت البطيء.
قيس سعيّد.. حين يتحوّل السجن إلى أداة للترهيب
منذ انقلابه على الدستور في يوليو 2021، يحكم قيس سعيّد البلاد بقبضة أمنية، ويتوسع في استخدام آليات السلطة التنفيذية لسحق المعارضة، وتقويض مؤسسات الدولة المستقلة، بما في ذلك القضاء. لم تسلم السجون من هذا النهج، بل تحوّلت إلى أدوات قمع ممنهجة، إذ زُج فيها نشطاء وسياسيون، وأحيانًا شبان عاديون لمجرد شبهة أو شجار.
ووسط هذا التدهور، تُهمل القوانين الدولية لحقوق الإنسان، وتتجاهل الدولة اتفاقياتها الدولية الخاصة برعاية السجناء وذوي الاحتياجات الطبية والنفسية. مؤسسات المجتمع المدني تصرخ، دون مجيب، مطالبة بتحقيقات مستقلة، وبوقف سياسة الإفلات من العقاب داخل السجون.
أصوات تتعالى: لا بد من إصلاح عاجل
على خلفية هذه الوفيات الثلاث، تطالب منظمات حقوقية بفتح تحقيقات شفافة ومستقلة، تطال المسؤولين عن الإهمال والتعتيم، ومحاسبة المتورطين، أيًّا كانت مواقعهم. كما تدعو إلى إصلاح عاجل وشامل للمنظومة السجنية، يتضمن تخفيف الاكتظاظ، وتحسين البنية التحتية، وتوفير الأدوية والرعاية النفسية.
ويدعو حقوقيون كذلك إلى اعتماد بدائل للعقوبات السالبة للحرية، خاصة في الحالات التي لم تُصدر فيها الأحكام بعد، وإلى تقوية الضمانات القانونية خلال مراحل التحقيق، بما يشمل الحق في الدفاع والتمثيل القانوني منذ اللحظة الأولى.
خاتمة: مأساة تتكرر في صمت الدولة
بين حكاية حازم المريض بالقلب، والجندوبي الذي مات مكبلًا دون أن يعلم أهله، ووسيم الذي جاع حتى الموت، ترتسم صورة قاتمة لواقع السجون التونسية تحت حكم قيس سعيّد. إنها ليست مجرد “وفيات عرضية”، بل مؤشر على نظام يفرّط في أبسط معايير الحياة، وينحدر أكثر نحو نهج سلطوي لا يرى في الإنسان إلا رقمًا داخل زنزانة.
إنّ استمرار هذا النهج يُهدد مستقبل العدالة والحقوق في تونس، ويُحول السجون إلى مقابر صامتة، لا يسمع فيها أنين المظلومين، ولا يُحاسب فيها من بيده القرار.
اقرأ أيضًا : مستشفيات غزة تستغيث: مئات يموتون جوعًا والعالم يتفرج