في موقف تركي غير مسبوق منذ سنوات، وجّه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تحذيرًا شديد اللهجة للأطراف التي وصفها بـ”الانفصالية” في سوريا، مؤكدًا أن أي مساعٍ نحو تقسيم البلاد أو زعزعة استقرارها ستُعتبر تهديدًا مباشرًا للأمن القومي التركي، وستقابل بردّ حاسم.
تصريحات فيدان التي جاءت خلال مؤتمر صحفي في أنقرة، لم تخلُ من إشارات مباشرة إلى إسرائيل، التي اتهمها بالوقوف خلف محاولات تفتيت سوريا، واستغلال الأقليات، وتحديدًا الدروز، ذريعة للتدخل.
التحذير التركي تزامن مع أحداث دراماتيكية شهدتها مدينة السويداء جنوب سوريا، في مشهد قد يعيد رسم خطوط التماس الجيوسياسي في المنطقة، ويضع أنقرة وتل أبيب في مسار تصادمي أكثر علانية من أي وقت مضى.
![]()
تحذير تركي ورسائل إلى خصوم الداخل والخارج
تصريحات هاكان فيدان لم تكن مجرد تعبير عن قلق تركي تقليدي، بل حملت نبرة تهديد صريح للأطراف التي وصفها بالانفصالية، والتي قد تُفهم ضمنيًا على أنها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي تتلقى دعمًا من واشنطن، بالإضافة إلى بعض القوى المحلية في الجنوب السوري.
لكن اللافت كان توجيه فيدان الاتهام المباشر لحكمت الهجري، المرجع الروحي لطائفة الموحدين الدروز، واعتباره “وكيلًا لإسرائيل”، في مؤشر على قراءة تركية للأحداث في السويداء بوصفها جزءًا من خطة إسرائيلية أوسع لتفتيت النسيج السوري واستثمار الفوضى لمصالحها.
وقال فيدان بشكل حاسم: “إذا اتجهت أطراف نحو التقسيم وزعزعة الاستقرار، فسنتدخل”، وهو تصريح يعكس تطورًا في العقيدة الأمنية التركية تجاه الجارة الجنوبية، ويشير إلى إمكانية تنفيذ عمليات عسكرية خارج الأطر المعتادة، خاصة في الجنوب السوري.
التحذير التركي قد يشكّل رسالة مبطنة أيضًا للنظام السوري نفسه، مفادها أن استمرار التراخي في فرض السيادة على كامل الأراضي، وترك الساحة للتمدد الإسرائيلي، لن يكون مقبولًا من أنقرة، حتى وإن كانت العلاقة بين الجانبين في طور إعادة الترميم.
إسرائيل وسيناريو الفوضى المتعمّدة في الجنوب السوري
التحول اللافت في الموقف التركي جاء بعد سلسلة غارات إسرائيلية عنيفة، شملت محافظات سورية عدة، ووصلت إلى استهداف مقر وزارة الدفاع، وهيئة الأركان، وحتى محيط القصر الرئاسي في دمشق، بذريعة حماية الدروز في السويداء، عقب اندلاع اشتباكات دامية بين فصائل درزية وعشائر محلية.
هذه الغارات، غير المسبوقة في نطاقها وتوقيتها، فسّرتها أنقرة على أنها ترجمة لنية إسرائيلية بتوسيع دائرة نفوذها داخل سوريا، وليس مجرد عمليات أمنية ضد “التهديد الإيراني”، كما اعتادت تل أبيب التبرير سابقًا.
تُدرك تركيا أن إسرائيل لا تتحرك من فراغ، بل تسعى لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية في سوريا، بما يمنع قيام دولة موحّدة قوية في المستقبل، تمامًا كما حاولت عبر دعم انفصال كردستان العراق سابقًا.
وتأتي هذه التحركات في وقت يعاني فيه النظام السوري من ضعف السيطرة الفعلية على أطراف الجنوب، ما يفتح الباب أمام مشاريع “الإدارة الذاتية” أو “الوصاية الدولية” على مناطق محددة، وهو ما ترفضه أنقرة جملة وتفصيلًا.
تركيا بين مواجهة مفتوحة وموازنة التهديدات
منذ بداية الحرب السورية، تبنّت تركيا مواقف مرنة أحيانًا وحاسمة أحيانًا أخرى. لكن تصريحات فيدان هذه المرة قد تشير إلى تحوّل استراتيجي يتجاوز مجرد التصريحات الدبلوماسية، باتجاه خطوات عملية على الأرض في الجنوب السوري، إذا ما استمرت إسرائيل أو القوى المحلية في تغذية النزعات الانفصالية.
ورغم أن تركيا تخوض حاليًا مواجهات غير مباشرة مع “قسد” في الشمال، فإنها قد تنقل جزءًا من اهتمامها إلى الجنوب، لا سيما إذا رأت في الفوضى هناك تهديدًا يتقاطع مع الأمن القومي على المدى المتوسط، خصوصًا مع احتمالات استثمار إسرائيل للأزمة لتعزيز حزام أمني في الجنوب.
كما أن التلميح إلى التنسيق مع دمشق، وإن لم يُعلن بشكل مباشر، قد يكون جزءًا من الرسائل المزدوجة التي ترسلها أنقرة: فهي من جهة ترفض شرعية “الهجري” وغيره من الزعامات الانفصالية، ومن جهة أخرى تدعو لعودة سلطة الدولة المركزية إلى السويداء، وهو موقف يعزز وحدة الأراضي السورية التي لطالما نادت بها تركيا نظريًا، لكنها الآن باتت تطالب بها عمليًا أيضًا.
في هذا السياق، يصبح لافتًا أيضًا الاتصال الذي أجراه أردوغان مع الرئيس السوري أحمد الشرع، وهو ما يؤكد – رغم غموض العلاقة – أن ثمة تواصلًا في الملفات الكبرى، وخاصة في ما يتعلق بمواجهة إسرائيل وتفادي تفكيك سوريا.
صراع على المستقبل السوري بين التقسيم والسيادة
تُظهر التطورات الأخيرة أن سوريا عادت لتكون ساحة صراع بين مشاريع التقسيم ومشاريع السيادة، بين محاور ترى في الفوضى فرصة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس طائفية وعرقية، وقوى إقليمية – وعلى رأسها تركيا – ترى أن انفراط العقد السوري قد يتحوّل إلى تهديد وجودي لأمنها القومي.
ومع استمرار الغارات الإسرائيلية وتوظيفها السياسي للاضطرابات في السويداء، فإن المواجهة بين أنقرة وتل أبيب لم تعد محصورة في التصريحات، بل قد تتحوّل إلى معركة نفوذ ميدانية تبدأ من الجنوب، وتمتد إلى ملفات اللاجئين، والحدود، والتسويات السياسية المقبلة.
وعليه، فإن تحذير فيدان ليس مجرد تصريح عابر، بل هو إنذار مبكر لصدام إقليمي قد يعيد تشكيل قواعد الاشتباك في سوريا ما بعد الثورة، وما بعد الاحتلال، وما بعد الفوضى.
اقرأ أيضًا : السيسي يستغيث بالبنتاغون: نهر النيل يتصدّر لقاءه مع قائد “سنتكوم” وسط تصاعد الأزمات