في تطور بارز قد يشكل نقطة تحول في الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر الماضي، أعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) فجر الخميس أنها سلّمت رسمياً ردها إلى الوسطاء بشأن المقترح الإسرائيلي لوقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، ضمن مسار المفاوضات غير المباشرة التي تجري في العاصمة القطرية الدوحة، برعاية إقليمية ودولية.
وبحسب بيان الحركة، فإن الرد لم يكن باسم حماس وحدها، بل جاء “باسم الحركة والفصائل الفلسطينية”، في خطوة تشير إلى محاولة تأكيد الإجماع الداخلي الفلسطيني على أي اتفاق محتمل. وأوضحت مصادر فلسطينية مطلعة أن الرد تضمّن تعديلات على المقترح المقدّم، خصوصاً فيما يتعلق بوقف إطلاق نار دائم، وترتيبات ما بعد الهدنة، بما في ذلك الانسحاب العسكري الإسرائيلي من القطاع وضمان تدفق المساعدات الإنسانية.
![]()
ضغوط المقاومة: تعديلات جوهرية على الخطة المطروحة
بحسب ما نقلته وكالة رويترز عن مصدرين فلسطينيين، فإن حركة حماس شددت في ردها على ثلاث نقاط أساسية اعتبرتها جوهرية لإنجاح أي اتفاق: أولها، الحصول على ضمانات دولية موثوقة لوقف دائم لإطلاق النار، وليس مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار؛ ثانيها، خرائط الانسحاب الإسرائيلي من كامل قطاع غزة، وتحديداً من التجمعات السكنية وطريق صلاح الدين الرئيسي الذي يربط شمال القطاع بجنوبه؛ أما النقطة الثالثة، فتتعلق بتكثيف دخول المساعدات الإنسانية بشكل فوري ومنتظم، لإنقاذ مئات الآلاف من المدنيين المحاصرين في ظروف كارثية.
وأضافت المصادر أن الحركة طالبت أيضاً بزيادة عدد الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم في مقابل أي جندي إسرائيلي حي، خاصة من أصحاب الأحكام المؤبدة والعالية، ما يعكس سعي حماس لاقتناص مكاسب استراتيجية لا تقتصر على الميدان بل تمتد إلى الملفات الإنسانية والسياسية العالقة منذ سنوات.
وبحسب مسؤول فلسطيني مطلع على سير المفاوضات، فإن الرد الذي قدمته حماس وُصف بأنه “إيجابي”، رغم تضمنه مطالب بتعديلات مهمة، وهو ما يفتح الباب أمام استكمال المحادثات بوتيرة أسرع، خصوصاً في ظل التدهور المتسارع للأوضاع في القطاع، وضغوط المجتمع الدولي لتفادي كارثة إنسانية شاملة.
نتنياهو بين الواقع الميداني والضغوط الداخلية
في الجهة المقابلة، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية، وعلى رأسها هيئة البث الرسمية، عن تغير في لهجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تجاه ملف الحرب، إذ أبلغ عدداً من وزرائه المتطرفين، من بينهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، برغبته في إنهاء الحرب خلال فترة وقف إطلاق النار المطروحة، مع الاحتفاظ بخيار استئناف القتال لاحقاً إذا لم تُحقق “أهداف العملية العسكرية”.
ووفقاً للتسريبات، فإن السبب الرئيسي وراء هذا التوجه لا يعود فقط للضغوط الدولية، بل أيضاً إلى تقارير استخبارية وعسكرية حديثة أظهرت تآكلًا في قدرات الجيش الإسرائيلي على الأرض، خاصة مع تصاعد الخسائر البشرية والنفسية في صفوف القوات، وصعوبة السيطرة الميدانية على مناطق الجنوب والشمال في القطاع.
وكان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجديد، إيال زامير، قد أطلع نتنياهو مؤخرًا على سلسلة تقارير أعدتها القيادات الميدانية، تحذر من الإرهاق الشديد الذي يضرب وحدات الجيش النظامي والاحتياطي على حد سواء، في وقت تواصل فيه الفصائل الفلسطينية تنفيذ عمليات نوعية أربكت الخطط العسكرية الإسرائيلية.
هذا الواقع دفع نتنياهو، بحسب مراقبين، إلى محاولة الخروج من الحرب بمكاسب سياسية تُسوق على أنها “نصر”، عبر اتفاق هدنة طويل الأمد يحقق إطلاق الأسرى الإسرائيليين، دون الانجرار إلى معركة مفتوحة مع حماس تنتهي باستنزاف الجيش والحكومة.
الولايات المتحدة على الخط: مساعٍ لتسريع الاتفاق
في ظل هذه التطورات المتلاحقة، أعلن البيت الأبيض أن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف سيبدأ جولة أوروبية للقاء عدد من المسؤولين في الشرق الأوسط، بهدف تسريع التوصل إلى اتفاق شامل يضمن وقف إطلاق النار والإفراج عن الأسرى. ووفق بيان رسمي، فإن واشنطن “تسعى بشكل عاجل لتخفيف المعاناة الإنسانية في غزة والتوصل إلى صيغة توافقية توقف القتال”.
وبالرغم من أن الولايات المتحدة تُعد أقرب حليف لإسرائيل، إلا أن الضغوط الدولية والانتقادات الواسعة لاستمرار المجازر في غزة، دفعت إدارة بايدن إلى تغيير نبرة خطابها مؤخرًا، من الدعم المطلق إلى الضغط نحو التهدئة، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية وتأثير الملف الفلسطيني على الرأي العام الداخلي.
بين الأمل والحذر: مفترق طرق جديد
رغم الأجواء الإيجابية التي سادت الساعات الماضية عقب تسليم حماس ردها على المقترح، فإن المشهد لا يزال معقدًا ويقف على مفترق طرق حساس. فبين مطالب المقاومة المشروعة والضغوط الإسرائيلية المتزايدة، وبين حسابات الأطراف الدولية، تبرز أسئلة حاسمة: هل تتجه الأمور إلى تهدئة حقيقية تُنهي شبح المجاعة والموت في غزة؟ أم أن “الهدنة المؤقتة” ستكون مجرد محطة في طريق أطول من القتل والاستنزاف؟
الإجابة قد تتضح خلال الأيام القليلة القادمة، لكن الأكيد أن الطرفين – رغم اختلاف موقفيهما – باتا يدركان أن استمرار الحرب دون أفق سياسي سيؤدي إلى انفجار إقليمي واسع النطاق لا يمكن لأي جهة احتواؤه.
اقرأ أيضًا : الشفاء ينعي الطفولة.. 21 شهيدًا في 72 ساعة يفضحون جريمة التجويع الإسرائيلي