كشفت مصادر حكومية سورية للجزيرة عن تطورات خطيرة في محافظة السويداء جنوب البلاد، وسط اتهامات مباشرة لأطراف إقليمية، في مقدمتها دولة الإمارات، بتأجيج الوضع ودعم مجموعات درزية مسلحة تسعى إلى تقويض السلطة المركزية وفرض واقع تقسيمي على الأرض. وتشهد السويداء منذ أسابيع انفلاتا أمنيا غير مسبوق، مع تفكك اتفاقات وقف إطلاق النار، وتصاعد الاشتباكات بين مجموعات مسلحة تنتمي للطائفة الدرزية، وأخرى من البدو والعشائر، في ظل غياب تام لأي سلطة موحدة، وصمت دولي مريب.
ووفق مصدر رسمي تحدث للجزيرة، فإن “الوضع في السويداء يتجه نحو الانفجار الكامل، مع انتشار مجموعات مسلحة غير منضبطة تمنع دخول مؤسسات الدولة، وتعرقل تقديم الخدمات العامة، مما يفاقم الأزمة الإنسانية بشكل خطير”. ولفت المصدر إلى أن هذه الجماعات المسلحة تُسيطر على مناطق واسعة من المحافظة، وتمنع وزارة الصحة من توثيق حالات الإعدام التي وقعت مؤخرًا، مما يثير القلق بشأن ارتكاب جرائم ميدانية خارج القانون، وسط تعتيم إعلامي ودولي.
أدوار إماراتية خفية وصراع السيطرة
المثير في هذه الأحداث المتصاعدة، هو تورط أطراف خارجية في دعم الجماعات المسلحة، حيث تشير تقارير غير رسمية، إضافة إلى تصريحات مصادر حكومية، إلى أن الإمارات تلعب دورًا خفيًا لكنه محوري في تأجيج النزاع، عبر دعم مجموعات درزية انفصالية تسعى لفرض نوع من “الحكم الذاتي” في الجنوب السوري، مشابه لما فعلته الإمارات سابقًا في اليمن وليبيا عبر وكلاء محليين. وتُتهم أبو ظبي بتوفير تمويل وتسليح وتغطية سياسية لهذه المجموعات، بهدف تقويض الحكومة السورية الجديدة بقيادة فاروق الشرع، التي تشكّلت بعد الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر 2024.
ويقول مراقبون إن الإمارات تسعى منذ سنوات إلى تعزيز نفوذها في المحافظات الجنوبية لسوريا، خاصة السويداء ودرعا، عبر دعم قوى محلية من الطائفة الدرزية في مواجهة الدولة المركزية. ويُعدّ هذا جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ متصارعة، تخدم مصالح إقليمية ودولية في الشرق الأوسط، وتعيق أي إمكانية لإعادة بناء الدولة السورية على أسس وطنية موحدة.
خطر إنساني ورفض دولي باهت
في خضم هذا الصراع، يعاني المدنيون في السويداء من أوضاع إنسانية شديدة الصعوبة. فقد أكد المصدر الحكومي السوري أن الجماعات المسلحة تمنع إدخال المساعدات الإنسانية إلى عدد من المناطق، كما قامت باختطاف أحد متطوعي “الخوذ البيضاء” أثناء محاولته إجلاء موظفين تابعين لمنظمات دولية. وفي المقابل، تمكنت الحكومة السورية من إجلاء حوالي ألف عائلة من البدو والعشائر السورية كانت محاصرة في منطقتي كفرة وشهبا إلى محافظة درعا، بالإضافة إلى عدد من المرضى والموظفين الدوليين.
ورغم هذه الجهود، تبقى أوضاع نحو 150 ألف نازح في 21 مركز إيواء بدرعا صعبة للغاية، وسط اتهامات مباشرة للمنظمات الدولية بالتقصير، وعدم تقديم الدعم الكافي. ودعت الحكومة السورية هذه المنظمات إلى تحمل مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية، والابتعاد عن التسييس الذي يُعيق عملها، حسب ما جاء في تصريح المصدر الحكومي.
هدنة هشة وواقع متفجر
ورغم إعلان الحكومة السورية الجديدة أربع اتفاقات لوقف إطلاق النار في السويداء، لم يصمد سوى أحدها، حيث استمرت الاشتباكات الدامية لأكثر من أسبوع بين جماعات مسلحة من الطائفة الدرزية وقبائل بدوية، مما أدى إلى مقتل المئات، وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان. وفي تطور إنساني مأساوي، أعلنت فرق الدفاع المدني يوم السبت أنها أجلت 300 مدني، بالإضافة إلى 20 جريحًا و8 جثامين، إلى العاصمة دمشق عبر معبر بصرى الشام.
ويرى مراقبون أن التوتر في السويداء يتجاوز البعد الطائفي أو المحلي، إذ إن التدخلات الإقليمية، خصوصا من قبل الإمارات، تهدف إلى إعادة رسم الخارطة السياسية لسوريا، وفق منطق “الدويلات”، بما يضمن بقاء البلاد في حالة فوضى وتفكك طويل الأمد.
ختامًا: سوريا تواجه مشروع التقسيم من جديد
الوضع في السويداء لا يمكن عزله عن المشهد الإقليمي، فبينما تحاول الحكومة السورية الجديدة إعادة ترميم مؤسسات الدولة بعد أكثر من عقد من الحرب، تعمل أطراف خارجية، وعلى رأسها الإمارات، على إحياء سيناريوهات التقسيم والتفكيك. واللافت أن هذه الأطراف باتت تعتمد على أدوات محلية مسلحة، ذات طابع طائفي أو مناطقي، لفرض وقائع جديدة على الأرض.
في ظل هذه الظروف، يبدو أن سوريا دخلت فصلًا جديدًا من الصراع، لكنه هذه المرة يحمل طابعًا خفيًا ومموها، تُستخدم فيه المساعدات كأداة ابتزاز، والسكان كرهائن، والسيادة كهدف مهدد. فهل تستطيع الدولة السورية الجديدة كسر هذه الحلقة، أم أن الجنوب سيظل بؤرة لتمرير المشاريع الإقليمية؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة، لكنه سيكون داميًا إن استمرت الأمور على هذا النحو.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يرتكب جريمة بحرية جديدة باعتراض “حنظلة”.. حماس: قرصنة لن تكسر عزيمة المتضامنين