هل أصبح الغرب مضطرا لمواجهة إسرائيل أخلاقيا بعد عجزها عسكريا؟ هذا هو الانطباع العام الذي خرجت به تغطيات عدة صحف عالمية خلال الأيام الماضية، بعد أن تصاعدت الدعوات في بريطانيا لمعاقبة تل أبيب، وسط انتقادات متزايدة لفشل الاحتلال في المعركة الإعلامية أمام حركة حماس، التي باتت تدير حربا نفسية بفاعلية، تفوق أحيانا فاعلية صواريخها.

بريطانيا والاعتراف المتأخر.. هل آن وقت المحاسبة؟
تناولت صحيفة الإندبندنت البريطانية بإسهاب دلالة اعتراف المملكة المتحدة بالدولة الفلسطينية، متسائلة عن سبب التأخير الذي امتد لأكثر من قرن منذ وعد بلفور، في خطوة بدت رمزية أكثر منها سياسية، لكنها لا تخلو من دلالات استراتيجية في لحظة دولية مشحونة. فالصحيفة ترى أن هذا الاعتراف المتأخر، وإن لم يحمل بعده العملي، فإنه قد يشكل زخمًا دبلوماسيًا باتجاه الضغط على الولايات المتحدة لتعديل موقفها المؤيد المطلق لإسرائيل.
وفي هذا السياق، كانت الغارديان أكثر جرأة حين نشرت مقالًا للبروفيسور الإسرائيلي “يائير والاش”، مدير مركز الدراسات اليهودية بجامعة سواس البريطانية، الذي دعا بلاده بالتحديد إلى وقف المجازر عبر الضغط الاقتصادي والدبلوماسي، مشددًا على ضرورة فرض بريطانيا عقوبات فعلية على إسرائيل.
اللافت أن والاش – الذي نشأ داخل إسرائيل – ربط بين الجرائم المرتكبة في غزة وبين انتعاش صادرات السلاح الإسرائيلي إلى الخارج، وتحديدًا إلى بريطانيا، التي تعد ثاني أكبر مستورد للسلاح من تل أبيب. تساؤله المحوري: كيف يمكن أن تُغذي لندن آلة قتل تستهدف مدنيين ثم تكتفي بإعلان رمزي للاعتراف بفلسطين؟ إنها لحظة مؤلمة – حسب وصفه – ولكنها ضرورية.
خيارات إسرائيل المعقدة بعد ضغط ترامب
من جانب آخر، رصدت وول ستريت جورنال الأميركية حجم الحيرة الإسرائيلية في ظل عدم تحقيق أهداف الحرب على غزة، خصوصًا بعد أن دخل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب – المعروف بتحالفه الوثيق مع نتنياهو – على خط الأزمة، حين دعا إسرائيل لمعالجة الأمور “بطريقة مختلفة”.
ونقلت الصحيفة عن الباحث الأمني الإسرائيلي أوفير غوترمان قوله إن إسرائيل أمام مفترق طرق: فإما احتلال كامل لغزة، وهو ما يُعد مغامرة كارثية، أو الذهاب إلى صفقة شاملة لوقف إطلاق النار. وتشير الصحيفة إلى أن الرأي الثاني بات يكتسب زخما في ظل تقديرات أمنية بأن حماس تستعد فعليا لمعركة استنزاف طويلة، ومواجهة أي اجتياح بري بأقصى درجات الفتك.
القلق الأكبر – بحسب الصحيفة – هو أن أي اجتياح شامل قد يعزز موقع حماس، التي لم تخسر البنية الأساسية فقط، بل استطاعت أن تُبقي على قوتها النفسية والإعلامية، بل وتُصدر روايتها للعالم، رغم كل ما تعرضت له غزة من دمار.
حماس تنتصر في الوعي.. وإسرائيل تفشل بلا مقاومة إعلامية
لكن التحول الأهم في التغطيات العالمية، جاء في مقال ناري نشرته صحيفة معاريف الإسرائيلية، وانتقدت فيه ما وصفته بـ”الفشل الفاضح” لإسرائيل في ساحة الحرب النفسية، قائلة: “نحن نخسر المعركة على العقول، رغم تفوقنا التقني والعسكري”. وأشارت الصحيفة إلى أن حماس تدير حرب وعي بذكاء، قادرة من خلالها على خلق تأثير يتجاوز ساحة غزة.
وأضافت الصحيفة أن “الوعي لا يُقصف بالدبابات”، وأن إسرائيل تخوض حربًا إعلامية خاسرة، تتعرض فيها لهجمات ممنهجة من منظمات حقوقية دولية، ووسائل إعلام عالمية باتت تتبنى رواية الضحية الفلسطينية. بل إن بعض الصحف العبرية الأخرى اعترفت صراحة بأن “غزة تحاصر إسرائيل في الإعلام العالمي”.
وفي هذا السياق، كتب الصحفي تسفي بارئيل في هآرتس منتقدًا سياسة نتنياهو وإدارته التي تجاهلت تمامًا المعركة الإعلامية. وربط بين فشل الاحتلال في التأثير على الرأي العام الدولي وبين انكشاف ازدواجية الخطاب الإسرائيلي، خصوصًا بعد أن باتت المجازر تُبث بالصوت والصورة، وأصبح من الصعب ترويج رواية “محاربة الإرهاب”.
كما سخر بارئيل من محاولات الحكومة الإسرائيلية استخدام شبكات التواصل للدعاية، بينما تتلقى منشورات حماس ملايين المشاهدات والتفاعلات من حول العالم، ما يكشف عن فجوة حقيقية في إدارة المعركة الرمزية، التي لا تقل أهمية عن الميدان العسكري.
خاتمة: حرب غزة تفضح هشاشة إسرائيل السياسية والإعلامية
في المحصلة، لا يمكن عزل ما تنشره الصحف الغربية عن تحولات المزاج السياسي الدولي، الذي بدأ يتعامل مع إسرائيل ليس فقط كطرف عسكري، بل كقوة استعمارية يجب ردعها. وبينما تفشل الآلة العسكرية الإسرائيلية في حسم الحرب ميدانيًا، تتلقى صفعات في جبهات الإعلام والوعي، حيث تخسر سرديتها التقليدية أمام خطاب مقاومة أكثر حنكة وتأثيرًا.
الرسالة التي يخرج بها القارئ الغربي اليوم من هذه التغطيات هي: لم تعد إسرائيل قادرة على تبرير عنفها، ولم يعد حلفاؤها قادرين على تبرئة أنفسهم من التواطؤ. في حين تواصل حماس إدارة حرب نفسية تخترق وجدان العالم، وتثبت أن النصر الإعلامي قد يكون أقوى من آلاف الطائرات.
اقرأ أيضًا : قبرص على خط النار القضائي.. دعوى دولية ضد جندي إسرائيلي متورط بجرائم حرب في غزة