في تحول لافت يكشف عمق الأزمة السياسية والعسكرية التي تعيشها إسرائيل، دعا بيني غانتس، وزير الحرب السابق وزعيم حزب “معسكر الدولة” المعارض، إلى إبرام صفقة شاملة للإفراج عن الأسرى الإسرائيليين في غزة، ولو كلف الأمر “أثمانًا باهظة”، على حد وصفه.

هذه الدعوة، التي تأتي في أعقاب نشر المقاومة الفلسطينية فيديو جديدًا يؤكد سيطرتها على حياة الأسرى، تشكل صفعة سياسية جديدة لحكومة نتنياهو وتدل على أن أوراق المعركة لم تعد بيد الاحتلال وحده، بل باتت المقاومة تدير دفة التفاوض من موقع قوة.

غانتس يعترف.. لا خيار إلا الصفقة الشاملة

جاءت تصريحات غانتس في منشور عبر منصة “إكس” (تويتر سابقًا)، حيث أكد أن “إعادة جميع الأسرى ضمن صفقة واحدة ومؤلمة هو الخيار الصحيح أمنيًا وسياسيًا”، محذرًا من ترك أوراق تفاوضية بيد حركة حماس. اللافت في حديثه لم يكن فقط القبول بصفقة صعبة –وهو ما كان مرفوضًا سابقًا في الخطاب الإسرائيلي الرسمي– بل اعترافه بأن أي اتفاق سيؤجل مهمة “القضاء على حماس”، واصفًا ذلك بأنه “ثمن باهظ”.

هذا التحول يعكس بوضوح إدراك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن الاستمرار في الحرب، رغم فظاعتها، لم يحقق الأهداف المعلنة. بل إن المقاومة، بعد أكثر من تسعة أشهر من القتال، لا تزال قادرة على الصمود والرد، بل وتوجيه رسائل نفسية وعسكرية قوية عبر مقاطع مصورة لأسرى بحوزتها، ما أحرج المؤسسة السياسية الإسرائيلية وأفقدها السيطرة على الرأي العام الداخلي.

فيديو المقاومة.. صفعة استخباراتية وسياسية لنتنياهو

بثت كتائب القسام –الذراع العسكري لحركة حماس– في الأيام الماضية تسجيلًا مصورًا لأحد الجنود الإسرائيليين الأسرى، في رسالة حية تؤكد أن المقاومة لا تزال تحتفظ بأوراق استراتيجية رغم القصف، والدمار، والضغط الدولي. الفيديو أحدث زلزالًا داخل إسرائيل، ودفع عائلات الأسرى إلى تصعيد احتجاجاتهم والمطالبة بإبرام صفقة تبادل فورًا.

المشهد أمام مقر رئيس الوزراء في القدس الغربية يوم الخميس، كان كاشفًا: عشرات العائلات ترفع صور أبنائها، وتصرخ في وجه نتنياهو، وتواجه قمعًا من الشرطة الإسرائيلية. البعض اتهم نتنياهو بالتضحية بأبنائهم من أجل مستقبله السياسي، وآخرون طالبوا بمحاكمته بصفته مسؤولًا عن الفشل في تأمين الجنود والمدنيين.

تقدّر إسرائيل عدد الأسرى في غزة بـ50، بينهم نحو 20 على قيد الحياة، في حين أن كتائب القسام لم تؤكد هذا الرقم أو تكشف مصيرهم جميعًا، ما يمنحها ميزة تفاوضية إضافية. بالمقابل، يقبع في سجون الاحتلال أكثر من 10,400 أسير فلسطيني، بينهم نساء وأطفال، و3376 معتقلًا إداريًا دون محاكمة، ومرضى يعانون من الإهمال الطبي والتعذيب، ما يزيد من الضغط الأخلاقي على المجتمع الدولي لوقف هذا الخلل الفاضح في معايير العدالة.

نتنياهو يتهرب من الصفقة والمقاومة تفرض شروطها

على الرغم من المبادرات المطروحة، ومنها الاستعداد المتكرر الذي أبدته حماس لعقد صفقة شاملة تطلق بموجبها جميع الأسرى الإسرائيليين مقابل وقف الحرب، وانسحاب جيش الاحتلال، والإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين، فإن حكومة نتنياهو لا تزال تراوغ وتضع شروطًا تعجيزية.

من هذه الشروط نزع سلاح المقاومة، وهو مطلب تعلم إسرائيل قبل غيرها أنه غير واقعي، خاصة بعد ما حققته حماس من تماسك وقدرة صاروخية وعسكرية رغم كل محاولات الاجتياح والتصفية.

بل إن انسحاب الوفد الإسرائيلي من مفاوضات قطر قبل أيام، كان رسالة بأن الحكومة الحالية تسير بعكس التيار، إذ ترفض الانسحاب من غزة، وتصر على مواصلة الحرب، رغم الاعترافات المتكررة من قادة الأمن بأن هذه الاستراتيجية تضعف الموقف التفاوضي الإسرائيلي وتمنح حماس المزيد من الوقت لإعادة تنظيم صفوفها.

وقد تكون تصريحات غانتس اليوم محاولة لإعادة تصويب البوصلة، أو استباقًا لإخفاقات سياسية مقبلة قد تعصف بحكومة نتنياهو، لا سيما في ظل التقارير الدولية التي تتحدث عن جرائم حرب وملاحقات قضائية في لاهاي بحق مسؤولين إسرائيليين، وعلى رأسهم نتنياهو نفسه.

حرب بلا أفق والمقاومة تتحكم بالمشهد

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، يعيش قطاع غزة تحت نيران حرب إبادة دمرت كل شيء: البشر والحجر والمستقبل. أكثر من 60 ألف شهيد، و146 ألف جريح، وتشريد شبه كامل للسكان، دون أي نتيجة سياسية أو عسكرية تُذكر لصالح الاحتلال.

وفي المقابل، باتت المقاومة –بعكس ما كان متوقعًا– أكثر قدرة على المناورة والتأثير، سواء على طاولة المفاوضات أو في الوعي الجمعي الإسرائيلي، بفعل مقاطع مصورة مدروسة، وتحركات ميدانية تثبت أن الحرب لم تنته بعد.

تصريحات غانتس اليوم، مدفوعة بفيديو القسام وضغط الشارع، تمثل اعترافًا بفشل استراتيجية القوة وحدها، وتلميحًا إلى أن إنهاء الحرب لا يمكن أن يكون إلا عبر صفقة مؤلمة –ولكن ضرورية– تعيد الأسرى من الجانبين، وتفتح المجال لحل سياسي شامل طال انتظاره.

اقرأ أيضًا : سلوفينيا تكسر جدار الصمت الأوروبي: أول حظر رسمي لتجارة السلاح مع “إسرائيل”