في خطوة مفاجئة تنذر بمزيد من التوتر في العلاقات بين الخرطوم وأبوظبي، أعلنت سلطة الطيران المدني السودانية أن الإمارات منعت الطائرات السودانية من الهبوط في مطاراتها، كما أوقفت إحدى الطائرات السودانية التي كانت تستعد للإقلاع من مطار أبوظبي.
القرار، الذي دخل حيز التنفيذ اعتباراً من فجر الأربعاء، جاء من دون إنذار مسبق، واعتبرته السلطات السودانية تصعيداً غير مبرر في سياق العلاقة المتدهورة بين البلدين.
لكن خلف هذا القرار التقني تكمن أبعاد سياسية وأمنية خطيرة، إذ يتزامن مع اتهامات مباشرة وجهتها الخرطوم لأبوظبي بدعم مليشيات مسلحة تزعزع الاستقرار في السودان، على رأسها قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، والتي تخوض منذ أكثر من عام حرباً شرسة ضد الجيش السوداني.

من منع الطائرات إلى تدمير الدولة.. أين تقف الإمارات؟
البيان الصادر عن سلطة الطيران المدني السودانية أشار إلى أن الخرطوم “فوجئت بقرار المنع”، وأكد أن الأمر يشمل تعليق كافة الرحلات الجوية بين البلدين.
وعلى الرغم من محاولات التهدئة في الصيغة الرسمية للبيان، إلا أن ما جرى لا يمكن فصله عن الصراع الأكبر بين السلطة في بورتسودان ودولة الإمارات، بعد توتر العلاقات على خلفية اتهامات سودانية للإمارات بالتورط في إشعال الحرب الأهلية الجارية.
وزارة الخارجية الإماراتية سارعت إلى نفي هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها “مزاعم باطلة”، واتهمت سلطات بورتسودان بأنها لا تمثل الحكومة الشرعية للبلاد، في إشارة ضمنية إلى دعمها الضمني لقوات الدعم السريع.
كما ربطت أبوظبي التصعيد السوداني بفشل دعوى بورتسودان ضدها أمام محكمة العدل الدولية، في محاولة لتقويض الشرعية القانونية والسياسية للسلطة السودانية الحالية.
لكن الرواية السودانية مدعومة بجملة من التقارير الأممية والصحفية، على رأسها تقرير لصحيفة لاسيلا فاسيا الكولومبية، التي كشفت عن تورط الإمارات في إرسال مرتزقة كولومبيين إلى السودان لتدريب الأطفال على القتال ضمن صفوف الدعم السريع. كما أشارت تقارير أخرى إلى تسهيلات لوجستية وعسكرية قدمتها الإمارات لمقاتلي حميدتي، بما في ذلك توفير مسارات تسليح وتدريب عبر الأراضي الليبية وتشاد.
الإمارات.. لاعب خارجي أم محرك للحرب؟
لم تعد التدخلات الإماراتية في السودان تقتصر على مواقف سياسية أو وساطات مشبوهة، بل تجاوزت ذلك إلى دعم فعلي لطرف محدد في الصراع، ما جعل من أبوظبي أحد أبرز المتهمين بإطالة أمد الحرب. وبحسب بيان مجلس الأمن والدفاع السوداني الصادر في مايو/أيار الماضي، فإن الحكومة السودانية “تملك وثائق تثبت تورط الإمارات في دعم مليشيات تهدد أمن السودان والمنطقة”، وقررت بناء على ذلك قطع العلاقات الدبلوماسية وسحب بعثتها من أبوظبي.
البيان السوداني لم يكتف بالاتهام السياسي، بل وصف ما تقوم به الإمارات بأنه “عدوان يستوجب الرد بكافة الوسائل”، معتبراً أن تصعيد أبوظبي يمثل تهديداً للأمن الإقليمي والدولي، وبالأخص أمن البحر الأحمر، الذي تسعى الإمارات للسيطرة عليه عبر مشاريع تجارية وعسكرية متشابكة.
هذا الاتهام يتقاطع مع تحذيرات متكررة من خبراء دوليين بأن الإمارات تستخدم أدوات ناعمة وخشنة لمد نفوذها في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بما في ذلك بناء قواعد عسكرية، وتوقيع صفقات مع زعماء ميليشيات محلية، ودعم جماعات خارجة عن الدولة.
الكارثة الإنسانية تزداد والإمارات تواصل التصعيد
منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل/نيسان 2023، يعيش السودانيون واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخ البلاد، إذ تشير التقديرات إلى مقتل أكثر من 15 ألف مدني، وتشريد 10 ملايين شخص، نصفهم داخل البلاد، في ظل انهيار شبه كامل في النظام الصحي، وندرة حادة في الغذاء والماء والدواء.
ورغم هذه المأساة، اختارت الإمارات أن تدفع نحو التصعيد لا التهدئة، عبر إجراءات عقابية مثل منع الطيران، ورفض الوساطات التي لا تخدم مصالحها الجيوسياسية. ويعكس ذلك تحول أبوظبي من داعم محتمل للاستقرار إلى لاعب نشط في تمزيق السودان وتعميق أزماته، خصوصاً بعد أن فشلت رهاناتها على السيطرة السياسية والاقتصادية على موانئ السودان ومنافذه البحرية.
تحالفات مرتزقة وقطع للروابط
بين الاتهامات المعلنة والوثائق المسربة، يبرز الدور الإماراتي بوصفه أحد أبرز العوامل الخارجية التي أشعلت وأطالت أمد الحرب السودانية. فالدعم العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع، وتسهيل تحركات المرتزقة الأجانب، وصولاً إلى إجراءات عدائية كمنع الطيران، تؤكد أن الإمارات لم تعد “وسيطًا” بل طرفًا فعّالًا في النزاع.
وإذا استمر هذا المسار التصعيدي، فإن العلاقات بين الخرطوم وأبوظبي تتجه نحو القطيعة الكاملة، وربما أكثر، في ظل مؤشرات واضحة على أن الإمارات تخوض معركة إقليمية بالوكالة على الأراضي السودانية، بينما الشعب السوداني وحده يدفع الثمن من دمه ومستقبله.
اقرأ أيضًا : واشنطن تحتج: مظاهرة ضد تواطؤ الإعلام الأمريكي مع حرب إبادة غزة