في مشهد يلخص المأساة المركبة التي يعيشها الفلسطينيون في غزة، أصيب الطفل كرم الله الكحلوت بجروح خطيرة في الرأس، بعدما سقطت عليه مظلة تحمل مساعدات من عمليات الإنزال الجوي، لتتحول “المعونة” إلى أداة موت جديدة في قطاع أنهكته الحرب والحصار.
الحادث وقع في شارع الجلاء بمدينة غزة، حيث كانت خيام النازحين تصطف على جانبي الطريق، بينما كان كرم الله، بصحبة والده، يستعدان لأداء صلاة الجمعة. كان الطفل يحمل الماء لوالده، قبل أن تخترق مظلة المساعدات سماء المكان وتسقط مباشرة فوق خيم النازحين، لتصيب رأسه إصابة بالغة أدخلته في غيبوبة، نقل على إثرها إلى العناية المركزة في مستشفى المعمداني.
اللقطات المصورة، التي تداولها رواد مواقع التواصل، أظهرت الفوضى والهلع في المكان، وسط صراخ الأهالي ومحاولاتهم إنقاذ الطفل. شهادة ذويه أكدت أنه غائب عن الوعي حتى الآن، فيما يخشى الأطباء من مضاعفات الإصابة على حياته.

تكرار مروّع للحوادث.. “المساعدات” تقتل
ليست هذه الحادثة الأولى من نوعها، بل تأتي بعد أيام فقط من مقتل ممرض فلسطيني في دير البلح، حين سقطت عليه مظلة مساعدات بشكل مباشر، بينما كان واقفًا وسط حشد من الجوعى الذين يترقبون تلك “الطرود الجوية” التي تلقيها طائرات في السماء.
الممرض، الذي كان يعمل في مستشفى ناصر بخان يونس، سقط شهيدًا في لحظة مأساوية وثقتها عدسات الكاميرا، بينما كانت المظلة تهوي بسرعة قاتلة على رأسه.
هذه الوقائع تفتح باب التساؤلات حول السلامة المفقودة في عمليات الإنزال الجوي، التي يُفترض أن تكون وسيلة لإيصال المساعدات الإنسانية، لكنها تحولت في غزة إلى مصدر خطر داهم، يهدد أرواح من يفترض أن تنقذهم.
هندسة التجويع.. الاحتلال يوزع الموت بدل الغذاء
وزارة الداخلية في غزة كانت قد حذرت مرارًا من أن عمليات الإسقاط الجوي للمساعدات باتت أداة يستخدمها الاحتلال ضمن سياسة “هندسة التجويع”، التي تقوم على خلق الفوضى بين الجوعى وإشاعة الفلتان الأمني، بدلًا من فتح المعابر والسماح بدخول المساعدات البرية بشكل منظم وآمن.
الاحتلال، الذي يفرض حصارًا خانقًا على غزة منذ أكثر من 22 شهرًا، يتحكم بشكل كامل في تدفق المساعدات، ويختار توقيت وطريقة إسقاطها، بما يضمن استمرار معاناة السكان، بل وتحويل لحظات استقبال الغذاء إلى كمائن موت.
الصور القادمة من مناطق الإسقاط تظهر دائمًا تدافع المدنيين وخطورة سقوط الطرود من ارتفاعات شاهقة، ما أدى إلى عشرات الإصابات والوفيات في الأشهر الماضية. في بعض الحالات، تسقط المساعدات على منازل وخيام نازحين، فتدمرها بدلًا من إعانتهم.
تواطؤ الصمت العربي والدولي
المأساة لا تقف عند حدود الاحتلال الإسرائيلي، بل تمتد إلى تخاذل النظام العربي الرسمي، الذي يقف عاجزًا أو متواطئًا، مكتفيًا ببيانات شجب خجولة أو تغطية إعلامية شكلية.
الدول العربية، التي تملك القدرة على الضغط لفتح معابر غزة أو فرض ممرات إنسانية آمنة، اكتفت بإرسال شحنات عبر البحر والجو، رغم علمها بمخاطر هذه الطريقة على حياة المدنيين. بعض هذه الدول يشارك في عروض إعلامية لإنزال المساعدات، لتحسين صورته أمام الرأي العام، بينما يتجاهل أن الحل الحقيقي يكمن في كسر الحصار، وليس التحايل عليه.
أما المجتمع الدولي، فبقي أسير البيانات الدبلوماسية، متجاهلًا مسؤوليته عن ضمان التزام الاحتلال بالقانون الدولي الإنساني. الأمم المتحدة ومنظماتها لم تفرض أي آلية رقابية تلزم بإيصال المساعدات بطريقة آمنة، رغم التقارير المتكررة عن سقوط ضحايا بسبب الإسقاط الجوي.
مأساة مركبة: الجوع، القصف، ثم المساعدات القاتلة
الحادثة التي تعرض لها كرم الله الكحلوت تكشف وجهاً آخر للحرب الإسرائيلية على غزة، حيث يعيش المدنيون تحت تهديد ثلاثي: القصف المباشر، الجوع المتعمد، ثم مخاطر “المساعدات” التي تهبط عليهم بلا أمان.
هذه ليست مجرد أخطاء فردية أو حوادث عرضية، بل نتيجة مباشرة لغياب التخطيط الإنساني الحقيقي، وسيطرة الاحتلال الكاملة على كل تفاصيل إدخال المساعدات.
تتحدث منظمات حقوقية عن أن المساعدات الجوية في غزة أصبحت جزءًا من معادلة القتل البطيء، إذ يجري تقنين الغذاء وتحويله إلى حدث استثنائي محفوف بالمخاطر، بدل أن يكون حقًا مضمونًا لكل مدني.
الرسالة التي ترسلها غزة للعالم
في كل مرة يسقط فيها ضحية تحت مظلة مساعدة، تتجدد رسالة غزة إلى العالم: كفى عبثًا بأرواح الجوعى. ليس المطلوب مشاهد استعراضية لطائرات تلقي طرودًا على مناطق محاصرة، بل المطلوب إرادة سياسية تكسر الحصار وتوقف الحرب وتعيد الحياة الطبيعية.
قضية كرم الله الكحلوت، الذي يرقد الآن في العناية المركزة، يجب أن تتحول إلى صرخة إنسانية ضد الاستهتار بحياة الفلسطينيين، سواء أتى الخطر من قذائف الاحتلال أو من صناديق المساعدات التي تهبط من السماء.
إن استمرار هذه الكوارث يعني أن المعاناة في غزة لم تعد محصورة في قصف البيوت وتجويع السكان، بل باتت تشمل حتى اللحظات التي يُفترض أن تكون مصدر أمل، لكنها تتحول بفعل الاحتلال والتواطؤ إلى مصائد موت.
اقرأ أيضًا : من “التطويق” إلى “الاحتلال”: لماذا يحذّر الجيش بينما يدفع نتنياهو نحو التصعيد؟