في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية، روّج موقع إماراتي لفكرة ما أسماه “جيش رديف” للقوات المسلحة السورية، يقوده المعارض أنس الشيخ الملقب بـ”أبو زهير الشامي”.

ويأتي هذا الطرح في سياق محاولات أبوظبي لعب دور سياسي وعسكري داخل الساحة السورية، تحت غطاء دعم الاستقرار، بينما يرى منتقدون أنها محاولة جديدة للسطو على الثورة السورية وإعادة تشكيل المشهد بما يخدم مصالحها الإقليمية.

جيش فوق السلطة.. أم مشروع فيدرالي موجه؟

بحسب ما ورد في مقابلة أجراها الموقع الإماراتي مع أنس الشيخ، فإن الجيش المزعوم سيكون “جيشًا شبه فيدرالي” قوامه 150 ألف مقاتل من مختلف المكونات السورية، مع أغلبية سنية. وادعى الشيخ أن مهمة هذا الكيان ليست مواجهة النظام السوري بشكل مباشر، بل منع تقسيم البلاد وضمان استقرارها، إلى جانب فض أي صراع داخلي حتى لو كان مع قوات محسوبة على السلطة الحالية.

الأخطر في حديثه كان تأكيده أن الجيش الجديد سيكون “فوق دستوري”، أي لا يتبع السلطة الانتقالية نفسها، بل يراقبها ويمنع تغولها. هذا الطرح، وإن بدا للوهلة الأولى كأنه يهدف لحماية السوريين، يكشف عن نوايا سياسية لإيجاد سلطة موازية فوق أي شرعية، بما يحوّل الجيش المقترح إلى أداة نفوذ خارجي أكثر منه قوة وطنية مستقلة.

الغطاء الدولي المزعوم.. والإمارات كوسيط مشبوه

زعم “أبو زهير الشامي” أن الجيش الجديد جاء ثمرة اجتماعات داخلية وخارجية بدعم دولي، خاصة من الولايات المتحدة. هذه الإشارة لا يمكن فصلها عن سياسة الإمارات الأخيرة التي تحاول لعب دور “الممر الإقليمي” للتفاهمات الدولية في ملفات شائكة: من اليمن إلى السودان، وصولًا إلى سوريا.

فبينما يتحدث الشيخ عن حماية الأقليات وضمان استقلال القضاء ومنع التغيير الديمغرافي، فإن الواقع يشير إلى أن أي تشكيل عسكري بهذا الحجم يحتاج إلى تمويل وتسليح، وهنا يبرز دور أبوظبي. الإمارات سبق أن دعمت تشكيلات مشابهة في ليبيا والسودان، ما يجعل من هذا الترويج امتدادًا لسياساتها التدخلية، حيث تتذرع بمحاربة التطرف بينما تدعم انقلابات أو جيوش موازية لإعادة رسم النفوذ السياسي.

الرد السوري الرسمي.. نفي قاطع واتهامات بالتضليل

مصدر مقرب من الحكومة السورية نفى بشكل قطعي هذه المزاعم، مؤكدًا أن جميع المكونات العسكرية اندمجت تحت وزارة الدفاع السورية. وأوضح أن دمشق ترتبط باتفاقيات دفاع مشترك مع دول إقليمية مثل تركيا، وتحافظ على تفاهمات أمنية مع قوى دولية، بما فيها الولايات المتحدة، في ملف محاربة الإرهاب.

هذا الرد يكشف التناقض بين الرواية الرسمية التي ترى في الحديث مجرد “فقاعة إعلامية”، وبين الرواية الإماراتية التي تسعى لتقديم صورة عن جيش ضخم جاهز للانتشار. ويطرح سؤالًا مهمًا: هل هو مشروع حقيقي أم مجرد أداة دعائية للإيحاء بأن أبوظبي قادرة على فرض بدائل في سوريا؟

الشخصية المثيرة للجدل.. من تويتر إلى وهم القيادة

اللافت أن أنس الشيخ المعروف بـ”أبو زهير الشامي”، والذي يروج لنفسه كقائد الجيش الجديد، لا يملك سوى حساب على منصة “إكس” يتابعه نحو 10 آلاف شخص. ورغم ظهوره كمحاور في المنابر الإعلامية، فإن مواقفه على مواقع التواصل تكشف تناقضات كبيرة. فقد هاجم تركيا وقطر متهمًا الحكومة السورية بأنها تأتمر بأوامرهما، كما روج لشائعات عن انقلاب عسكري في دمشق، قبل أن يحذف جل تغريداته.

هذه الخلفية تجعل من شخصيته أقرب إلى ناشط مثير للجدل منها إلى قائد فعلي لجماعة مسلحة بهذا الحجم. وهو ما يعزز فكرة أن الإمارات تبحث عن واجهة إعلامية لتسويق مشروعها أكثر من كونها تدعم شخصية ذات ثقل عسكري أو سياسي.

البعد الإقليمي.. تكرار لتجربة السودان وليبيا؟

من خلال تتبع السياسة الإماراتية في المنطقة، يتضح أن مشروع “الجيش الرديف” في سوريا ليس فكرة جديدة. ففي السودان، دعمت أبوظبي قوات الدعم السريع التي تحولت لاحقًا إلى عامل دمار وفوضى. وفي ليبيا، مولت ميليشيات خليفة حفتر تحت شعار “محاربة الإرهاب”، ما أدى إلى انقسام البلاد وإطالة أمد الحرب.

تكرار هذا النموذج في سوريا يعني إدخال البلاد في صراع جديد، عبر جيش يوازي المؤسسات الرسمية ويفتح الباب أمام تجاذبات إقليمية ودولية. وهو ما يهدد وحدة الدولة السورية ويحولها إلى ساحة تنافس جديد بين قوى إقليمية، مع إعطاء الإمارات نفوذًا مباشرًا على الأرض.

خاتمة: مشروع وهمي أم خطوة خطيرة؟

الترويج الإماراتي لـ”جيش رديف” في سوريا يعكس توجهاً واضحًا نحو بناء نفوذ عسكري موازٍ في المنطقة، على غرار ما حدث في السودان وليبيا. وبينما ينفي النظام السوري وجود أي دعم دولي لمثل هذا الجيش، فإن طرحه عبر منصات إعلامية قريبة من أبوظبي يكشف نوايا مبيتة لإيجاد كيان عسكري فوق الشرعية، قد يتحول لاحقًا إلى أداة ضغط وابتزاز سياسي.

وفي النهاية، يبقى السؤال: هل نحن أمام مجرد فقاعات إعلامية لا تتجاوز شاشات المواقع الإماراتية، أم أننا على أعتاب ولادة مشروع جديد لإعادة رسم ملامح الثورة السورية بما يخدم أجندات أبوظبي وحلفائها؟ الإجابة ستتضح مع الأيام، لكن المؤكد أن الشعب السوري سيكون الخاسر الأكبر من أي مغامرة جديدة تحمل عنوان “الجيش الرديف”.

اقرأ أيضًا : خطة إماراتية لتصفية المقاومة.. غولان يكشف “ترحيب” عربي بتفكيك حماس مقابل 43 مليار دولار