اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش سلطات كاليفورنيا، وخاصة أجهزة الأمن في مدينة لوس أنجلوس، باستخدام القوة المفرطة والتعمد في البطش ضد المتظاهرين الذين خرجوا بين 6 و14 يونيو / حزيران الماضي احتجاجًا على موجة الترحيل الواسعة للمهاجرين غير النظاميين.
التقرير الحقوقي الصادر أمس كشف عن صورة قاتمة لمدينة أميركية طالما تغنّت بالحرية والديمقراطية، لكنها في الواقع تعاملت مع المحتجين بأسلوب عسكري أقرب إلى ما تمارسه الأنظمة السلطوية.
![]()
عنف مفرط وتكميم للأصوات
بحسب التقرير، فإن قوات الأمن استخدمت الغاز المسيل للدموع والقذائف المطاطية وكرات الفلفل وقنابل الصوت ضد المتظاهرين والصحفيين والمراقبين، وغالبًا دون أي استفزاز أو إنذار مسبق، وفي كثير من الأحيان من مسافة قريبة أدت إلى إصابات خطيرة. المنظمة وثّقت حالات كدمات وكسور وارتجاجات دماغية وبتر أصابع، وصولًا إلى إصابات بالغة في العيون.
الأخطر أن العنف لم يقتصر على المتظاهرين بل طال الصحفيين، حيث سجلت “ووتش” إصابة 39 صحفيًا كانوا يغطون الاحتجاجات رغم ارتدائهم شارات وبطاقات تثبت مهنتهم. هذا السلوك، بحسب المنظمة، يفضح زيف الادعاء الأميركي بحماية حرية الصحافة ويكشف ازدواجية المعايير عندما يتعلق الأمر بالاحتجاجات التي ترفض سياسات الحكومة.
خلفية سياسية: ترحيل المهاجرين وتعزيز القبضة الأمنية
الاحتجاجات جاءت ردًا على مداهمات واسعة نفذتها وكالة الهجرة الأميركية بأوامر مباشرة من إدارة الرئيس دونالد ترامب، حيث اقتحمت فرق مسلحة متاجر ومطاعم ومزارع وفنادق، بحثًا عن المهاجرين غير النظاميين لترحيلهم قسرًا. هذا المشهد ولّد حالة من الذعر في أحياء المهاجرين بلوس أنجلوس، ودفع آلاف السكان للخروج إلى الشوارع للتظاهر.
السلطات لم تكتف بالمداهمات، بل صعّدت الموقف باعتبار الاحتجاجات “تمردًا ضد سلطة الدولة”، وهو ما فتح الباب لنشر قوات الحرس الوطني والجيش الأميركي لحماية المباني الفيدرالية. وهكذا تحولت التظاهرات المدنية إلى معركة مفتوحة مع الأجهزة الأمنية، ما يعكس عقلية أمنية لا تختلف كثيرًا عن ممارسات الدول التي اعتادت واشنطن انتقادها.
انتهاك للحقوق الأساسية
منظمة “رايتس ووتش” ربطت بين الممارسات الأمنية في لوس أنجلوس وبين تراجع معايير حقوق الإنسان في الولايات المتحدة. فالدستور الأميركي يكفل حرية التعبير والتجمع السلمي، لكن ما جرى على الأرض كان قمعًا متعمدًا. اتحاد الحريات المدنية الأميركي تلقى أكثر من 280 بلاغًا عن إصابات بسبب عنف الشرطة خلال تلك الأيام، وهو ما يشير إلى أن الأرقام الرسمية أقل بكثير من الواقع.
إيدا ساووير، مديرة قسم الأزمات في المنظمة، قالت إن حملات الترحيل “أرعبت السكان”، لكن الرد الأمني تجاوز كل الحدود: “بدل أن تسمح السلطات للناس بالتعبير عن خوفهم وغضبهم، اختارت البطش بهم وتعريض حياتهم للخطر”.
تناقض الخطاب الأميركي
المفارقة الصارخة أن واشنطن، التي تقدم نفسها راعية لحقوق الإنسان في العالم، تُمارس في الداخل ما تنتقده في الخارج. فهي تهاجم حكومات في الشرق الأوسط أو آسيا بحجة قمع التظاهرات، بينما أجهزتها الأمنية تطلق النار المطاطية والغاز على مواطنين وصحفيين في شوارعها.
الأكثر إثارة للتساؤل أن الإدارة الأميركية لا تتردد في دعم الاحتلال الإسرائيلي رغم سجله الحافل بالقمع الوحشي للمتظاهرين الفلسطينيين والصحفيين، بينما تعلن في الوقت ذاته أنها “حامية الحريات”. هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا: هل حقوق الإنسان مجرد أداة سياسية في يد واشنطن؟
انعكاسات داخلية وخارجية
التقرير يفتح الباب أمام جدل داخلي في أميركا حول حدود السلطة الأمنية، وإلى أي مدى تستطيع الحكومة تبرير العنف ضد مواطنين ومقيمين خرجوا للاحتجاج على قرارات تمس حياتهم بشكل مباشر. كما أنه يعزز من صورة التراجع الأميركي عالميًا فيما يتعلق بمسألة المصداقية الحقوقية، خصوصًا في وقت تحاول فيه واشنطن أن تلعب دورًا قياديًا في قضايا حقوق الإنسان الدولية.
المنظمة طالبت بمحاسبة كبار مسؤولي الأمن في لوس أنجلوس، مؤكدة أن الإفلات من العقاب سيُرسّخ ثقافة القمع. فغياب المحاسبة يرسل رسالة مفادها أن الأجهزة الأمنية قادرة على البطش دون خوف من القانون.
خلاصة
ما كشفته “هيومن رايتس ووتش” لا يتعلق بحادث عرضي أو تجاوز فردي، بل يعكس نهجًا ممنهجًا في التعامل مع المهاجرين ومع أي احتجاج شعبي. الولايات المتحدة، التي تدّعي ريادة العالم في الديمقراطية، تتصرف على الأرض وكأنها دولة بوليسية، تقمع الأصوات المعارضة وتُخيف الصحفيين، بينما تواصل التباهي بخطاب الحقوق والحريات.
بهذا، يصبح السؤال المطروح: كيف يمكن لدولة تمارس البطش ضد متظاهريها وصحفييها أن تُحاضر العالم عن حقوق الإنسان؟
اقرأ أيضًا : تظاهرات مليونية تشل شوارع “تل أبيب”.. مأزق نتنياهو يشتد تحت ضغط الشارع