كشف موقع “ميدل إيست آي” البريطاني تفاصيل صادمة حول لقاءات سرية جرت بين مسؤولين ليبيين وإسرائيليين بوساطة أمريكية، لمناقشة خطة تهدف إلى إعادة توطين مئات الآلاف من الفلسطينيين المهجّرين من قطاع غزة داخل الأراضي الليبية.
ووفق التسريبات، فإن الإمارات تقف بقوة خلف هذا المخطط، حيث تلعب دور الممول والمحرّض في مسعى لتصفية القضية الفلسطينية عبر أدواتها في المنطقة.

لقاءات مشبوهة ومساومات أمريكية
بحسب الموقع، فإن إبراهيم دبيبة، مستشار الأمن القومي وأحد أقارب رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، قاد هذه المحادثات مع الإسرائيليين. اللقاءات التي جرت تحت غطاء سري عميق، كشفت أن الولايات المتحدة عرضت على بعض القادة الليبيين إغراءات اقتصادية ضخمة، منها الإفراج عن 30 مليار دولار من الأصول الليبية المجمدة، مقابل قبول استقبال الفلسطينيين في ليبيا.
مصادر ليبية أكدت أن محادثات عملية جرت بالفعل، لكن تفاصيل التنفيذ بقيت غامضة، في حين يواصل أعضاء مجلس الدولة في طرابلس التعمية على الأمر وسط غضب شعبي متصاعد. وذكرت تقارير أن مسعد بولس، صهر ترامب ومستشاره السابق، كان ضمن الوسطاء الذين ناقشوا مع دبيبة مسألة الإفراج عن الأموال المجمدة، إلا أن بولس نفى ذلك، معتبرا التقارير “كاذبة وتحريضية”.
ترامب و”الحلول المبتكرة”
لم يخفِ فريق الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب دعمه لفكرة التهجير، إذ صرّحت نائبة السكرتير الصحفي للبيت الأبيض آنا كيلي بأن ترامب لطالما دعا إلى “حلول مبتكرة لتحسين حياة الفلسطينيين”، تشمل إعادة توطينهم في أماكن جديدة مع استمرار الحديث عن إعادة إعمار غزة.
في السياق ذاته، أفادت تقارير بأن اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الحاكم العسكري للشرق الليبي، تلقى عرضا بمنحه سيطرة أوسع على موارد النفط إذا قبل بخطة التوطين. هذه المساومات تفتح الباب أمام إمكانية استخدام ليبيا كساحة خلفية لتصفية القضية الفلسطينية على حساب أمنها القومي.
النفي الرسمي والتناقضات
بعد الضجة التي أثارها التقرير، خرج رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة ليؤكد أن حكومته لن تنخرط في “جريمة إعادة توطين الفلسطينيين”. لكن مصادر أوروبية أكدت للموقع أن الدبيبة وحفتر كانا يتفاوضان “في الوقت نفسه مع الإسرائيليين” بحثا عن شرعية أمريكية إضافية.
المصادر الأوروبية والعربية وصفت الخطة بأنها “كارثة إنسانية وسياسية”، مشيرة إلى أن الفلسطينيين لو أجبروا على الانتقال إلى ليبيا، فإنهم سينتقلون من “المقلاة إلى النار”، حيث سيواجهون الفوضى السياسية والانقسام الداخلي، إضافة إلى غياب أي ضمانات لحمايتهم.
الكارثة المحتملة
المحللون الذين تحدثوا للموقع حذروا من أن الفلسطينيين الذين قد يتم تهجيرهم قسرا إلى ليبيا، سيجدون أنفسهم في بلد ممزق سياسيا واجتماعيا، بلا بنية تحتية مستقرة ولا مؤسسات قادرة على رعايتهم. هذا الوضع سيقود حتما إلى موجات هجرة جديدة باتجاه أوروبا، في تكرار مأساوي لمصير آلاف السوريين الذين غرقوا في البحر المتوسط.
الأوروبيون، الذين يعانون أصلا من أزمة لجوء متفاقمة، لن يكونوا مستعدين لقبول “مليون عربي آخر”، ما يجعل الخطة وصفة لخلق فوضى إقليمية جديدة تضرب الأمن الأوروبي والعربي معا.
الإمارات.. المحرك الخفي
المصادر ذاتها لفتت إلى أن الإمارات العربية المتحدة تقف خلف المخطط، عبر تمويل المشاريع وربطها بالمساعدات الدولية. هذا الدور ليس مفاجئا، فالإمارات منذ سنوات تلعب دور الذراع المالية والدبلوماسية لخطط إسرائيلية وأمريكية تستهدف تصفية القضية الفلسطينية.
سبق أن روج وزير الزراعة الإسرائيلي آفي ديختر لفكرة أن ليبيا “الوجهة المثالية” للفلسطينيين، مشيرا إلى أن “مساحتها الشاسعة وساحلها الطويل يمكن أن يشكلا بديلا لغزة إذا استثمر المجتمع الدولي المليارات هناك”. هذه التصريحات تعكس تلاقيا بين الرؤية الإسرائيلية والأجندة الإماراتية التي تسعى إلى تعزيز نفوذها الإقليمي عبر المال والصفقات.
غضب شعبي وتجارب سابقة
ليبيا ليست غريبة عن مثل هذه الأزمات؛ ففي عام 2023، فجّرت زيارة سرية قامت بها وزيرة الخارجية السابقة نجلاء المنقوش للقاء نظيرها الإسرائيلي إيلي كوهين في إيطاليا موجة غضب شعبي، انتهت باحتجاجات عارمة وإقالتها من منصبها. حينها اعترفت المنقوش أنها تصرفت بأوامر مباشرة من عبد الحميد دبيبة، ما أكد وجود خط اتصال سري مع إسرائيل برعاية خارجية.
اليوم، يتكرر المشهد ولكن على نطاق أوسع وأكثر خطورة، حيث لا يتعلق الأمر بلقاء دبلوماسي فحسب، بل بخطة تهجير قسرية ذات تبعات إنسانية وجيوسياسية خطيرة.
الخلاصة: ليبيا كأداة لتصفية القضية الفلسطينية
تكشف هذه المعلومات أن ليبيا تحولت إلى ساحة مساومة دولية، حيث تسعى إسرائيل إلى التخلص من سكان غزة عبر التهجير، فيما تحاول الولايات المتحدة شراء ذمم القادة الليبيين عبر الأموال المجمدة، بينما تلعب الإمارات دور العرّاب المالي للمخطط.
لكن هذه الخطة تحمل في طياتها كارثة متعددة الأبعاد:
- تهجير قسري للفلسطينيين يرقى إلى جريمة تطهير عرقي.
- زعزعة الاستقرار الداخلي في ليبيا وإشعال الغضب الشعبي.
-
تهديد مباشر للأمن الإقليمي والأوروبي عبر موجات هجرة جديدة.
ومع تصاعد هذه التسريبات، يبقى السؤال: هل سينجح هذا المخطط في فرض نفسه على حساب الدم الفلسطيني؟ أم أن رفض الشعوب العربية، وفي مقدمتها الليبية، سيجهض المشروع قبل أن يرى النور؟
اقرأ أيضًا : معبر رفح.. زيارة بروتوكولية تكشف تهاوي الدور المصري