في مشهد يتكرر منذ سنوات، عاد الاحتلال الإسرائيلي لارتكاب جريمة جديدة بحق السيادة السورية، حيث أعلنت قناة الإخبارية السورية عن استشهاد ستة من عناصر الجيش السوري جراء قصف نفذته طائرة مسيّرة إسرائيلية، ظهر الثلاثاء، قرب مدينة الكسوة في ريف دمشق. 

هذا الاعتداء ليس حدثاً معزولاً، بل يأتي ضمن سلسلة من التصعيدات العسكرية التي يقوم بها الاحتلال في الجنوب السوري، مخلّفاً شهداء وجرحى من المدنيين والعسكريين على حد سواء، ومثيراً مخاوف جدية بشأن توسع دائرة الصراع.

التصعيد الإسرائيلي: من القنيطرة إلى ريف دمشق

القصف الإسرائيلي على ريف دمشق لم يكن سوى حلقة من حلقات التصعيد المتواصل، حيث سبقه ساعات قليلة فقط استهداف مدني في بلدة طرنجة بريف القنيطرة الشمالي عبر طائرة مسيّرة إسرائيلية، ما أدى إلى استشهاده داخل منزله. وزارة الخارجية السورية سارعت إلى إدانة هذه الجرائم، مؤكدة أن تل أبيب باتت تتعمد استهداف المدنيين العزّل، إلى جانب اعتداءاتها على الجيش السوري، بهدف فرض واقع جديد في الجنوب السوري.

وبالتوازي مع الغارات، ذكرت وسائل إعلام سورية أن رتلاً من قوات الاحتلال الإسرائيلي توغل في بلدة سويسة بريف القنيطرة، حيث نفذت القوات عمليات دهم واعتقالات طالت عدداً من المدنيين، وسط تحليق مكثف للطائرات المسيّرة. هذه الممارسات تعكس رغبة الاحتلال في فرض سيطرته الميدانية، ليس فقط عبر الغارات الجوية، بل أيضاً من خلال عمليات التوغل المباشر، ما يشكل خرقاً واضحاً للخطوط التي رسمتها اتفاقيات وقف إطلاق النار في الجولان.

انتهاك صارخ للسيادة وخرق للقانون الدولي

وزارة الخارجية السورية أكدت في بيانها أن الاعتداءات الإسرائيلية تمثل “انتهاكاً فاضحاً” لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن، مشيرة إلى أن هذه الجرائم تهدد بشكل مباشر السلم والأمن في المنطقة. 

وشددت دمشق على حقها المشروع في الدفاع عن أرضها وشعبها بكل الوسائل التي يقرها القانون الدولي، في وقت يتواصل فيه صمت المجتمع الدولي تجاه هذه الخروقات.

المثير للانتباه أن الاحتلال الإسرائيلي لم يكتف بالقصف، بل أرسل نحو 60 جندياً للسيطرة على أراضٍ حدودية قرب جبل الشيخ، واعتقل ستة سوريين، وفق ما أكده سكان محليون. 

هذه الخطوة تكشف عن تصعيد خطير في السياسة الإسرائيلية، التي تحاول فرض وجود عسكري دائم داخل العمق السوري، بحجة “الدفاع عن الجولان والجليل”، في حين أنها في الواقع تسعى إلى توسيع دائرة الاحتلال لتشمل مناطق جديدة من الجنوب السوري.

مفاوضات أمنية مشبوهة وسيناريوهات السيطرة

وسائل إعلام عبرية كانت قد تحدثت في وقت سابق عن تقدم في “مفاوضات أمنية” بين دمشق وتل أبيب، مع التوصل إلى تفاهمات بشأن نحو 80% من البنود المطروحة، فيما لا يزال الخلاف قائماً حول مطلب الاحتلال إبقاء قواته في مواقع استراتيجية داخل الأراضي السورية، مثل محطة الرادار في جبل الشيخ وتلال في القنيطرة. 

هذه التسريبات، إن صحت، تثير الشكوك حول ضغوط تمارس على النظام السوري للقبول بأمر واقع جديد، مقابل ضمان بقائه في السلطة بعد سقوط رأس النظام السابق أواخر 2024.

منذ سبعة أشهر، يسيطر جيش الاحتلال على جبل الشيخ وشريط أمني يمتد 15 كيلومتراً جنوب سوريا، ويحتجز عملياً أكثر من 40 ألف سوري داخل المنطقة العازلة التي حولها إلى منطقة احتلال مباشر. هذه السيطرة تأتي استكمالاً لاحتلال الجولان منذ عام 1967، لكنها اتخذت منحى أكثر وضوحاً بعد انهيار النظام السوري ودخول البلاد مرحلة فراغ سياسي وأمني، سمحت للاحتلال بتمديد نفوذه.

قراءة في إجرام الاحتلال وتداعياته الإقليمية

لا يمكن النظر إلى القصف الإسرائيلي الأخير على ريف دمشق بمعزل عن الاستراتيجية الأشمل التي ينتهجها الاحتلال. فهذه العمليات العسكرية تهدف إلى:

  1. إضعاف الجيش السوري: عبر استهداف مواقعه الحيوية وقتل جنوده، بما يضمن بقاء الجبهة الجنوبية تحت السيطرة الإسرائيلية.

  2. فرض معادلة ردع جديدة: تقوم على استخدام الطائرات المسيّرة لتوجيه ضربات دقيقة، تعكس تفوقاً تكنولوجياً ورسالة ردع للخصوم.

  3. إرسال رسائل إقليمية: خصوصاً إلى إيران وحزب الله، بأن أي محاولة لاستخدام الأراضي السورية كجبهة مواجهة ستُواجَه بحزم.

إجرام الاحتلال هنا لا يقتصر على قتل الجنود أو المدنيين، بل يمتد إلى هندسة واقع جغرافي وسياسي جديد في الجنوب السوري. فالتوغلات، والاعتقالات، والقصف المتكرر، كلها أدوات لبسط السيطرة، في ظل غياب موقف دولي رادع. هذا الصمت، أو العجز المتعمد، يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر لمواصلة سياساته التوسعية، ما يهدد بانفجار أمني جديد قد يمتد من سوريا إلى لبنان وفلسطين.

الخاتمة: الاحتلال كعامل فوضى دائم

استشهاد ستة جنود سوريين في ريف دمشق يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول مستقبل الجنوب السوري، وحدود التصعيد الذي قد يتطور في أي لحظة إلى مواجهة إقليمية واسعة. الاحتلال الإسرائيلي يثبت مرة أخرى أنه ليس مجرد قوة محتلة، بل مشروع توسعي قائم على القتل والترويع وتفتيت الدول المحيطة به.

وفي غياب موقف عربي موحد، أو ضغط دولي فاعل، يواصل الاحتلال ارتكاب جرائمه بدم بارد، ضارباً عرض الحائط بكل القوانين والاتفاقيات الدولية. إن ما جرى في الكسوة والقنيطرة ليس سوى تذكير جديد بأن إسرائيل، منذ تأسيسها، لم تكن سوى دولة عدوان وإجرام، وأن أمن المنطقة لن يستقر إلا بزوال الاحتلال وعودة الحقوق إلى أصحابها.

اقرأ أيضًا : تفاعل واسع مع جريمة استهداف صحفيي خانيونس ومجزرة مجمع ناصر