دخلت الأزمة السودانية مرحلة أكثر تعقيداً مع إعلان ما يُعرف بـ”تحالف السودان التأسيسي” أن قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) أدى اليمين، السبت، رئيساً للمجلس الرئاسي التابع للحكومة الموازية التي أُعلنت في يوليو/تموز الماضي.
جرت المراسم بمدينة نيالا بولاية جنوب دارفور بحضور رئيس القضاء المعيَّن رمضان إبراهيم شميلة وعدد من القادة السياسيين والقبليين، وسط غياب أي اعتراف دولي أو إقليمي بشرعية هذه الخطوة.
وقد رافق ذلك أداء عبد العزيز الحلو، قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، اليمين نائباً لحميدتي، فيما أدى خمسة عشر عضواً آخرين القسم، بينهم حكام أقاليم دارفور وكردفان.
بهذا المشهد، يحاول حميدتي إضفاء صبغة مؤسساتية على قوات الدعم السريع، عبر ما سماه التحالف “حكومة السلام الانتقالية”، استناداً إلى “دستور انتقالي لسنة 2025” تمت صياغته بمعرفة الدعم السريع وحلفائه، ويلغي دستور 2019 والوثيقة الدستورية التي مثلت المرجعية بعد الثورة.
غير أن الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي سارعا منذ إعلان الحكومة الموازية في يوليو إلى التحذير من مخاطرها على وحدة السودان، فيما وصفت الحكومة السودانية هذه الخطوة بأنها “دليل على انكسار الدعم السريع ودحره”.

الإمارات.. اللاعب الخفي في المشهد
ورغم أن المشهد يبدو في ظاهره صراعاً داخلياً بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، فإن أصابع الإمارات تبدو حاضرة بقوة في هذه التطورات. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، وُجهت اتهامات متكررة لأبوظبي بدعم قوات الدعم السريع بالمال والسلاح، سواء عبر صفقات سلاح سرية أو عبر وسطاء إقليميين. تقارير أممية وإعلامية أكدت أن طائرات شحن إماراتية هبطت مراراً في مطارات بشرق إفريقيا، محملة بالأسلحة والذخائر التي وصلت لاحقاً إلى يد الدعم السريع.
توقيت تنصيب حميدتي رئيساً لـ”المجلس الرئاسي” لا يمكن فصله عن هذا الدعم. فالإمارات التي فقدت كثيراً من أوراقها في ليبيا واليمن، ترى في السودان ساحة استراتيجية لتعويض خسائرها، عبر زرع نفوذ طويل الأمد في قلب القرن الإفريقي والتحكم في موانئ البحر الأحمر. وفي المقابل، يجد حميدتي في هذا الدعم شريان حياة يعيد له بعض التوازن بعد سلسلة الهزائم التي تلقاها في الخرطوم والجزيرة خلال الأشهر الماضية.
من زاوية أخرى، يُظهر وجود عبد العزيز الحلو نائباً لحميدتي محاولة لإضفاء طابع “توافقي” على الحكومة الموازية، غير أن هذا الترتيب يعكس أيضاً محاولة هندسة مشهد سياسي جديد برعاية خارجية، يفتح الباب أمام مشاريع تقسيم السودان إلى أقاليم متناحرة، وهو ما يتماشى مع الرؤية الإماراتية القائمة على إضعاف الدول المركزية وتمكين الميليشيات والسلطات الموازية.
تداعيات داخلية وخارجية
في الداخل، جاء تنصيب حميدتي في وقت يرفع فيه الجيش السوداني من وتيرة هجماته لاستعادة السيطرة على دارفور وكردفان. البرهان كان قد أكد قبل أيام أنه “لا مجال للتعايش مع المتمردين”، في إشارة صريحة إلى الدعم السريع، وهو ما يعني أن السودان مقبل على تصعيد عسكري جديد قد يحول دارفور إلى مسرح مواجهة دموية طويلة الأمد. الحكومة السودانية ترى أن “المجلس الرئاسي” ليس سوى محاولة يائسة لإضفاء شرعية سياسية على ميليشيا انهزمت في الخرطوم والجزيرة، بينما تحاول الأخيرة تحويل معركتها إلى صراع سياسي دستوري.
أما على المستوى الخارجي، فالمشهد يعمّق عزلة الدعم السريع، فالأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي رفضا الاعتراف بالحكومة الموازية، كما أن القوى الغربية تتوجس من أي ترتيبات قد تؤدي إلى تقسيم السودان. لكن الإمارات تواصل دفع حميدتي في هذا المسار، مدفوعة برغبتها في تأمين نفوذها في البحر الأحمر والسيطرة على طرق التجارة والطاقة، حتى وإن كان ذلك على حساب وحدة السودان واستقراره.
الخطوة تعكس أيضاً مأزق المجتمع الدولي، الذي يبدو عاجزاً عن فرض حل سياسي، في ظل تضارب المصالح بين القوى الكبرى، وغياب موقف إقليمي موحد. فبينما تحاول القاهرة والرياض دعم الجيش السوداني، تواصل أبوظبي رهاناتها على الدعم السريع، وهو ما يجعل السودان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
قراءة ختامية
تنصيب حميدتي رئيساً لـ”المجلس الرئاسي” ليس حدثاً بروتوكولياً فحسب، بل هو فصل جديد في حرب النفوذ التي تعصف بالسودان. إنه يعكس انتقال الدعم السريع من محاولة السيطرة العسكرية المباشرة إلى البحث عن غطاء سياسي ودستوري، بدفع خارجي إماراتي، بهدف إطالة أمد الأزمة وتعقيد أي تسوية. وفي حين يراهن حميدتي على الدعم الإقليمي لإعادة إنتاج نفسه زعيماً سياسياً، فإن الواقع الميداني يؤكد أن قواته تعاني من التآكل بعد الهزائم الأخيرة.
يبقى السؤال: هل يستطيع السودان الخروج من هذه الدوامة في ظل استمرار تدخلات أبوظبي ودفعها نحو تكريس الانقسام الداخلي؟ أم أن ما جرى في نيالا ليس سوى مقدمة لمرحلة جديدة من الصراع قد تدفع بالبلاد نحو سيناريوهات أكثر قتامة؟ الأكيد أن أصابع الإمارات في الخرطوم ودارفور باتت مكشوفة أكثر من أي وقت مضى، وأن مشروعها في السودان يقوم على إضعاف الدولة المركزية لصالح أمراء الحرب، ولو كان الثمن مزيداً من الدماء والانقسامات.
اقرأ أيضًا : الفاشر بؤرة لمعاناة الأطفال بعد 500 يوم من الجوع والموت البطيء.. كيف تدير الإمارات المشهد؟