تسريبٌ خطير كشفه واشنطن بوست عن وثيقة تحمل ملامح ما يسمى بـ “خطة ريفييرا غزة”، وهو مقترح تم تداوله داخل البيت الأبيض ويتعامل مع غزة كما لو كانت قطعة عقارية تُعرض للبيع، لا موطناً لشعب محاصر يُقتل يومياً. الخطة، التي وُصفت حتى في الإعلام الإسرائيلي بأنها “جنون محض” و“مخطط ترامبوي سريع الثراء قائم على جرائم الحرب والسياحة المصطنعة”، تقوم على تهجير قسري لمليوني فلسطيني وتحويل القطاع إلى منطقة وصاية أمريكية لعقد كامل على الأقل، تُدار بأموال المستثمرين وتُسوق كمنطقة جذب للتكنولوجيا والسياحة على أنقاض مأساة بشرية.
الوثيقة المؤلفة من 38 صفحة، والتي تحمل الاسم الرمزي “صندوق إعادة إعمار غزة وتسريع الاقتصاد والتحول” أو اختصاراً GREAT، اقترحها إسرائيليون عملوا مسبقاً على تأسيس ما يسمى “مؤسسة غزة الإنسانية” التي أُنشئت بدعم أمريكي وإسرائيلي، بمساهمة مباشرة من مستشارين ماليين من شركة Boston Consulting Group. الفكرة المحورية، كما تكشف الوثيقة، هي “إعادة توطين مؤقتة” لجميع سكان غزة، أي التهجير الجماعي الذي لا يمكن وصفه إلا بالتطهير العرقي وربما الفعل الإبادي. الفلسطينيون سيُدفعون دفعاً لمغادرة أراضيهم إما إلى دول أخرى أو إلى مناطق معزولة “مؤمنة” خلال فترة إعادة الإعمار. أصحاب الأراضي سيُمنحون “رموزاً رقمية” بديلاً عن حقوق ملكيتهم، تُستخدم كوسيلة لتمويل حياة جديدة في مكان آخر. ومن يظل في غزة سيُحشر في مساكن لا تتعدى مساحتها 30 متراً مربعاً، أي ما هو أصغر من منازل المخيمات القائمة.
النص المسرب لا يميز بين سيادة غزة وإسرائيل ومصر، ويتحدث بوضوح عن “حقوق شاملة لإسرائيل لتلبية احتياجاتها الأمنية”، ما يعني أن أي فكرة عن تقرير المصير أو الدولة الفلسطينية مستبعدة تماماً. في المقابل يُمنح الفلسطينيون “كياناً سياسياً” هشاً مرتبطاً باتفاقات أبراهام، وهو تعبير صريح عن أن الخطة تسعى لشرعنة التطبيع وتصفية القضية الفلسطينية.
اللغة المستخدمة في المخطط تكشف الغاية منه: التودد لغرور دونالد ترامب وإيلون ماسك ومحمد بن سلمان. المشروع يتحدث عن “حديقة تصنيع إيلون ماسك” على أنقاض المنطقة الصناعية في بيت حانون التي دمرتها إسرائيل سابقاً، وعن مدن خضراء ذكية بتمويل 100 مليار دولار من المستثمرين، شبيهة بمشروع نيوم السعودي المتعثر، حتى المنطقة الأمنية حول غزة حملت اسماً مرتبطاً بولي العهد السعودي، ما يكشف التنسيق العميق بين أجندات البيت الأبيض وواشنطن والرياض وتل أبيب.
المنظمات الحقوقية وصفت الخطة بأنها “مخطط للترحيل الجماعي يُسوّق على أنه تنمية”. فيليب غرانت، مدير منظمة Trial International، اعتبر أن ما طُرح ليس سوى “حالة نموذجية لجرائم دولية: تهجير قسري، هندسة ديمغرافية، وعقاب جماعي”. وحذر من أن الشركات الخاصة المتورطة، إلى جانب الحكومات، قد تواجه ملاحقات قضائية لعقود بتهمة التواطؤ في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. مراسلون بلا حدود وأفاز وغيرهما من المؤسسات الحقوقية سبق أن حذرت من أن هذه المشاريع تعني انخراط القطاع الخاص في تنفيذ سياسات إبادة.
حتى داخل إسرائيل أثارت الخطة موجة سخرية ورفض، حيث كتبت هآرتس أن ما طُرح هو “خطة ترامبويّة قائمة على الذكاء الاصطناعي والسياحة وجرائم الحرب”. أما المحللون الغربيون فرأوا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في تفاصيل المشروع “السخيفة”، بل في ما يشير إليه: أن لا سيادة فلسطينية في غزة ولا تقرير مصير، وأن الولايات المتحدة مستعدة لتغطية التطهير العرقي تحت مسمى إعادة الإعمار.
منظمات أمريكية مثل Center for Constitutional Rights حذرت من أن أي شركة تنخرط مع إسرائيل وترامب في خطط التهجير القسري للفلسطينيين ستعرض نفسها لمساءلات قانونية داخل الولايات المتحدة وتحت الاختصاص القضائي العالمي. المنظمة رفعت بالفعل دعاوى ضد إدارة ترامب مطالبة بالكشف عن التمويل المخصص لمؤسسة غزة الإنسانية، حيث قُتل مئات الفلسطينيين وهم ينتظرون المعونات على أبوابها.
التسريب جاء بعد اجتماع عُقد في البيت الأبيض برئاسة ترامب حضره توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، وجاريد كوشنر صهر ترامب، حيث ناقشوا “اليوم التالي لغزة”. وجود هذه الأسماء يكشف البعد الحقيقي: تسليم غزة إلى شبكة من السياسيين الانتهازيين ورجال الأعمال الطامعين لتتحول إلى مشاريع مدن اصطناعية مربحة، بينما يُجرد أهلها من أرضهم وحقوقهم.
قيادات فلسطينية رفضت بشكل قاطع هذه الطروحات، حيث أكد القيادي في حماس باسم نعيم: “غزة ليست للبيع. غزة جزء من الوطن الفلسطيني الأكبر”.