لم تعد خسائر الاحتلال الإسرائيلي في حربه على غزة مقتصرة على ميدان المعارك المباشرة، بل امتدت إلى داخل جبهته الداخلية، حيث يواصل الجنود الانتحار بفعل الصدمات النفسية التي تعرضوا لها جراء مواجهتهم مع المقاومة الفلسطينية.
أحدث هذه الحالات تمثل في انتحار الرقيب أول إيتان كوبرمان، الذي أطلق النار على نفسه في مدينة عكا، ليصبح الضحية العشرين من جنود الاحتلال الذين أقدموا على إنهاء حياتهم منذ بداية العام الجاري.
هذه الظاهرة تكشف بوضوح أن حرب الإبادة في غزة لم تصدر للجيش الإسرائيلي سوى الإحباط واليأس، وأن كلفة المواجهة لا تُقاس فقط بعدد القتلى والجرحى في الميدان.

تصاعد حالات الانتحار: كوبرمان ليس الأول
بحسب تقارير عبرية، فإن كوبرمان، المنتمي إلى مستوطنة معالوت ترشيحا، أطلق النار على نفسه داخل سيارته وسقط قتيلا على الفور. وسبقه إلى المصير ذاته ضابط في أحراش الجليل، وأحد عناصر مركز شرطة سديروت الذي لم يحتمل صدمة هجوم القسام في عملية طوفان الأقصى. شهادات الجنود وأسرهم تفضح حجم الانهيار النفسي الذي يعيشه جنود الاحتلال؛ فقد روت زوجة أحد جنود لواء غولاني أن زوجها يعيش حالة رعب دائمة، يغلق الأبواب بالكراسي خوفا من اقتحام مقاتلي المقاومة لمنزله، ويستيقظ فزعًا من أي صوت مفاجئ. هذه التفاصيل اليومية تعكس مدى تغلغل الصدمة في حياتهم الخاصة بعد عودتهم من غزة.
أزمة علاجية ونفسية داخل المؤسسة العسكرية
صحيفة هآرتس العبرية لفتت إلى أن ارتفاع أعداد المنتحرين يعود في جانب منه إلى العجز الهيكلي في بنية الدعم النفسي داخل الجيش الإسرائيلي. فالمؤسسة العسكرية تعاني من نقص حاد في الأطباء النفسيين والمختصين الاجتماعيين، كما أن برامج إعادة التأهيل غير قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من المصابين باضطرابات ما بعد الصدمة. وتكشف البيانات أن مئات الجنود يدخلون شهريًا إلى وحدات إعادة التأهيل النفسي التابعة للجيش، كثير منهم من جنود الاحتياط أو ممن خدموا في وحدات تحديد هوية القتلى، حيث يواجهون صعوبة بالغة في التكيف مع الحياة اليومية بعد أن شهدوا مشاهد مروعة في غزة.
الصمت الرسمي: اعتراف بالضعف
رغم خطورة الأرقام، يصر جيش الاحتلال على التعتيم الإعلامي، إذ رفض المتحدث باسمه إيفي دوفرين في يوليو الماضي الكشف عن إحصاءات رسمية حول حالات الانتحار. هذا الصمت الرسمي يعكس قلقًا من تداعيات اعتراف علني بالأزمة، خصوصًا في ظل تعاظم الانتقادات داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن إدارة الحرب. إلا أن تجاهل المشكلة لا يلغي آثارها؛ فالمجتمع الإسرائيلي يزداد إدراكًا لكون الحرب على غزة لم تحقق أي نصر ملموس، بل ولّدت موجة غير مسبوقة من الإحباط واليأس بين الجنود وعائلاتهم.
الخسائر البشرية المعلنة والمخفية
منذ السابع من أكتوبر 2023، اعترف الاحتلال بمقتل 901 عسكريًا وإصابة أكثر من 6100 آخرين. لكن خبراء ومراقبين يشككون في دقة هذه الأرقام، ويؤكدون أن العدد الحقيقي للقتلى أكبر بكثير، وأن التعتيم الرسمي يهدف إلى الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية. ومع ذلك، فإن ظاهرة الانتحار المتكررة باتت تسلّط الضوء على الوجه الآخر من الخسائر، أي الخسائر النفسية والمعنوية التي لا يمكن إخفاؤها بالأرقام.
صمود غزة وتصدير اليأس للاحتلال
على الرغم من آلة القتل الهائلة التي يستخدمها الاحتلال في غزة، إلا أن صمود الفلسطينيين بات أحد أبرز مصادر الانهيار النفسي في صفوف الجيش الإسرائيلي. فالمقاتلون الفلسطينيون أثبتوا قدرة عالية على الصمود والمباغتة، وهو ما جعل الجنود يشعرون بأنهم يواجهون خصما لا يمكن السيطرة عليه. إن مشاهد الكمائن، والعبوات الناسفة، وضربات القسام وسرايا القدس، تركت بصمة عميقة في وعي الجنود، لتتحول إلى كوابيس يومية حتى بعد عودتهم إلى منازلهم. هذه الصدمات، التي لا تستطيع المؤسسة العسكرية احتوائها، تُترجم على أرض الواقع إلى حالات انتحار متكررة.
قراءة تحليلية: بين الإخفاق العسكري والانهيار النفسي
إذا كانت الحروب تقاس عادة بعدد القتلى والجرحى والخسائر المادية، فإن حرب غزة أضافت بعدًا جديدًا يتمثل في الانهيار النفسي لجيش الاحتلال. الانتحار المتكرر بين الجنود ليس مجرد عرض جانبي، بل مؤشر استراتيجي على فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه، وانعكاس مباشر لصمود غزة الذي حوّل المعركة من مواجهة عسكرية إلى حرب استنزاف نفسية. هذه الحرب النفسية، التي يشنها الفلسطينيون بصمودهم وباستمرار مقاومتهم رغم حجم الدمار، باتت سلاحًا موازياً لصواريخهم وعملياتهم الميدانية.
خاتمة: غزة تنتصر في معركة الإرادة
إن انتحار الجنود الإسرائيليين خارج الميدان يثبت أن الحرب على غزة لم تُصدر سوى الخوف والاضطراب واليأس إلى داخل المجتمع الإسرائيلي. ومع كل حالة انتحار جديدة، يتضح أن الاحتلال يخسر معركة الإرادة، وهي المعركة الحاسمة في أي صراع طويل الأمد. فبينما يواصل الفلسطينيون صمودهم في وجه حرب الإبادة، يتكشف يومًا بعد يوم أن العدو الذي يمتلك أحدث الأسلحة والتقنيات يعجز عن حماية جنوده من الهزيمة النفسية. غزة لا تحصد أرواحهم فقط في الميدان، بل تواصل تصدير اليأس إلى داخل مجتمعهم، لتتحول الحرب إلى عبء وجودي يهدد كيان الاحتلال من الداخل قبل أن يهزمه في الخارج.
اقرأ أيضًا : القسام تستهدف دبابة وجرافة في حي الزيتون: رسالة نارية وسط حرب الإبادة