في خطوة تكشف عن عمق الفاشية المتجذّرة داخل حكومة الاحتلال الإسرائيلي، أعلن وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير رفضه الصريح لقرار المحكمة العليا الذي يقضي بوقف سياسة تقليص الغذاء المقدم للأسرى الفلسطينيين. وأكد بن غفير خلال جولة ميدانية مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في القدس المحتلة، أن ظروف السجون “لن تتغير”، متحديًا سلطة القضاء ومكرسًا سياسة الانتقام الممنهج بحق المعتقلين الفلسطينيين.
لم يكتفِ بن غفير برفض القرار، بل زعم أن المحكمة العليا “تخفف الظروف على الإرهابيين”، في وقت أيّد فيه نتنياهو موقفه بشكل علني، مؤكداً أن “لن نسهّل حياة أعدائنا”، مضيفًا أن القضاة أنفسهم “جزء من هذه الحرب”. بذلك، يظهر تواطؤ رأس الحكومة مع توجهات وزرائه الأكثر تطرفًا، واعتبار القضاء مجرد أداة سياسية قابلة للتهميش إذا تعارضت أحكامه مع مشروع الاحتلال الدموي.
القضاء يحاول كبح التجويع.. وبن غفير يتمرّد
قرار المحكمة العليا الذي صدر الأحد جاء بعد التماس تقدمت به جمعيات حقوقية إسرائيلية أبرزها جمعية حقوق المواطن ومنظمة “چيشاه”. وجاء في منطوق الحكم أن “خفض الحصص الغذائية لم يشكل أي رادع أمني”، محذّرة من أن سوء معاملة الأسرى قد ينعكس سلبًا على أوضاع الإسرائيليين المحتجزين في غزة.
كما شددت المحكمة على أن “المعايير الدنيا التي تلتزم بها الدولة تجاه أي إنسان تحت احتجازها يجب أن تُصان حتى في أصعب الأوقات، ليس فقط التزامًا بالقانون وإنما حفاظًا على إنسانيتنا”. لكنّ هذا التوجه الحقوقي اصطدم بجدار السياسة المتطرفة لبن غفير، الذي يرى في السجون ميدانًا لإذلال الفلسطينيين وتحويل حياتهم إلى جحيم.
شهادات مرعبة: السجون تتحول إلى معسكرات تعذيب
الالتماس المقدم للمحكمة تضمن شهادات صادمة من داخل الزنازين. أحد الأسرى المرضى بالسكري اضطر إلى تناول معجون الأسنان لرفع مستوى السكر في دمه، فيما فقد آخرون عشرات الكيلوغرامات من أوزانهم نتيجة سياسة التجويع. الجمعيات الحقوقية وصفت ما يجري بأنه “تحويل السجون إلى معسكرات تعذيب”، مؤكدة أن الوضع القائم يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية.
المحامي عوديد فلر، المستشار القانوني لجمعية حقوق المواطن، اعتبر أن قرار المحكمة يمثل “انتصارًا لسيادة القانون وكرامة الإنسان”، مشددًا على وجوب “تنفيذه فورًا ودون تأخير”. لكنّ تصريحات بن غفير أكدت أن التنفيذ غير وارد، لتصبح حياة آلاف الأسرى الفلسطينيين رهينة نزعة انتقامية تفتقد لأي أساس قانوني أو إنساني.
بين القضاء والسياسة: كسر هيبة القانون
رفض بن غفير لم يكن مفاجئًا؛ فقد أعلن منذ توليه منصبه أن أحد أهم أهدافه هو جعل ظروف الأسرى الفلسطينيين “أسوأ ما يمكن”، في تحدٍ واضح حتى لمواقف جهاز الأمن الداخلي “الشاباك” الذي أبدى تحفظات على هذه السياسة. ويكشف هذا التناقض عن أزمة داخلية في إسرائيل بين مؤسسات الدولة: قضاء يحاول حفظ الحد الأدنى من الإنسانية، وسلطة سياسية تتبنى الفاشية كنهج دائم.
وزير العدل ياريف ليفين انضم إلى جوقة المهاجمين للقضاء، قائلاً عبر “تلغرام”: “بينما يعاني الرهائن من الجوع في الأنفاق، يطالب قاضيان بتحسين طعام الإرهابيين”. هذا الخطاب الشعبوي لا يهدف سوى لتأليب الرأي العام الإسرائيلي ضد أي محاولة لوقف جرائم الاحتلال، ويعكس بوضوح سيطرة المعايير السياسية على القانون.
الأسرى في مواجهة الموت البطيء
بحسب مؤسسات الأسرى الفلسطينية، بلغ عدد المعتقلين في سجون الاحتلال أكثر من 11 ألفًا مع بداية أيلول/سبتمبر الجاري، في حين تؤكد مصلحة السجون أن العدد يبلغ 11,040. هؤلاء يعيشون اليوم تحت رحمة سياسة تجويع منظمة، وصفها خبراء القانون الدولي بأنها جريمة حرب مكتملة الأركان، إذ يُحرم المحتجزون عمدًا من الغذاء الكافي في ظروف غير إنسانية.
الاحتلال يواصل عدوانه على غزة للعام الثاني على التوالي، وقد خلّف حتى الآن أكثر من 64,500 شهيدًا و163 ألف جريحًا، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى مئات آلاف النازحين. وفي ظل هذا السياق الدموي، يصبح استمرار سياسة التجويع بحق الأسرى جزءًا من منظومة الإبادة الأوسع التي ينفذها الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني.
جريمة حرب تستدعي المحاسبة الدولية
القانون الدولي الإنساني واضح: حرمان الأسرى من الغذاء أو تعريضهم لظروف معيشية قاسية يُعتبر جريمة حرب. اتفاقية جنيف الرابعة تنص على أن الدول المسؤولة عن احتجاز الأسرى ملزمة بتوفير الغذاء الكافي والرعاية الطبية. غير أن إسرائيل تتعامل مع هذه الالتزامات بازدراء كامل، مستندة إلى دعم سياسي غربي وصمت دولي متواطئ.
سياسة بن غفير ليست مجرد “تشديد” لإجراءات السجون، بل هي إعلان صريح عن نية تعذيب وتجويع الأسرى، بما يتجاوز أي مبرر أمني. وهي بذلك تفضح وجه الاحتلال ككيان قائم على انتهاك أبسط القيم الإنسانية، وتفتح الباب أمام مطالبات متزايدة بتقديم قادته، ومن بينهم بن غفير ونتنياهو، إلى المحاكم الدولية.
خلاصة
رفض بن غفير تنفيذ قرار المحكمة العليا بشأن وقف سياسة تجويع الأسرى الفلسطينيين يكشف عن دولة باتت سلطتها القضائية عاجزة أمام فاشية حكامها. شهادات الأسرى عن معاناة الجوع والحرمان تضع إسرائيل في خانة مرتكبي جرائم الحرب، فيما يصرّ قادتها على تحويل السجون إلى ساحات انتقام. ومع استمرار المجازر في غزة وتصاعد سياسات البطش، يصبح ملف الأسرى جزءًا لا يتجزأ من صورة الاحتلال بوصفه نظامًا استعماريًا يشن حربًا شاملة على الشعب الفلسطيني بأسره.
اقرأ أيضًا : الوضع بات كارثيًا.. مجاعة غزة تدفع اليونيسف لدق جرس الإنذار