نفّذت إسرائيل يوم الثلاثاء غارة جوية في قلب الدوحة، استهدفت وفد المفاوضين التابعين حماس أثناء مشاركتهم في محادثات لوقف إطلاق النار، في محاولة واضحة لاغتيالهم داخل عاصمة حليف رئيسي للولايات المتحدة. وترافق القصف مع إصدار الجيش الإسرائيلي أوامر بإخلاء كامل مدينة غزة تمهيدًا لغزو شامل جديد ضد سكانها المنهكين والجائعين.

هذا الهجوم، الذي وقع على أراضٍ تابعة لحليف رئيسي للولايات المتحدة، اعتُبر من قبل افتتاحية The Guardian  بمثابة دليل دامغ على أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا يضع السلام ولا عودة الأسرى الإسرائيليين من غزة ضمن أولوياته الفعلية.

أُم أحد المحتجزين الإسرائيليين في غزة تساءلت بمرارة عقب الهجوم: “لماذا يُصر رئيس الوزراء على نسف أي اتفاق يقترب من الاكتمال؟”. هذا السؤال يلخص حقيقة أن نتنياهو اختار التصعيد بدلًا من الحلول السياسية. ورغم أن مدى اقتراب قيادة حماس من قبول مقترحات وقف إطلاق النار غير واضح، فإن ضربة نتنياهو ضمنت عمليًا أن مفاوضي الحركة لن يوافقوا على العودة إلى طاولة المفاوضات قريبًا، لا سيما وأن الهجوم تزامن مع أمر الجيش الإسرائيلي بالإخلاء الكامل لمدينة غزة تمهيدًا لاجتياح شامل، ما ينذر بمزيد من الموت والدمار وسط سكان يعانون أصلًا من الجوع والصدمة.

الافتتاحية أكدت أن إنهاء المعاناة الإنسانية لا يتوافق بأي حال مع أهداف نتنياهو وحلفائه المتطرفين الذين يرتكز عليهم ائتلافه الحاكم، والذين يسعون لفرض مشروع “إسرائيل الكبرى” الممتدة إلى ما بعد حدود 1967. لكن رد الفعل الغربي على هذا النهج الممعن في التعنت وصفته الصحيفة بالجبان والمخجل، إذ يقابل الغرب هذا التصعيد بسياسات سلبية وضعيفة بلا أثر رادع.

وبينما يكتفي ترامب بإطلاق مواعيد نهائية وهمية ونداءات سلام جوفاء على مواقع التواصل، يستخدم نتنياهو القوة العسكرية الأمريكية المصدر ليضرب متى وأين يشاء دون محاسبة، مستفيدًا من تواطؤ واشنطن وتراخيها. وحتى عندما انتقد ترامب الهجوم الإسرائيلي الأخير بدعوى أنه انتهك سيادة حليف أمريكي، سارع في الوقت ذاته إلى تأييد الهدف العام المعلن وهو “القضاء على حماس”، ما يعكس أنه لا توجد في نظره أي خطوط حمراء حقيقية أمام حكومة نتنياهو المتطرفة.

أمام هذا المشهد بالغ الخطورة، ترى الصحيفة أن على كير ستارمر وغيره من القادة الأوروبيين الضغط بقوة أكبر على كل من واشنطن وتل أبيب. فقد اكتفى ستارمر، قبيل لقائه المثير للجدل مع الرئيس إسحاق هرتسوغ، بالقول إن التخلي عن المسار الدبلوماسي سيكون “تصرفًا طلابيًا”، لكن محاولة اغتيال وفد التفاوض في الدوحة تثبت أن الكلمات وحدها بلا جدوى أمام القنابل التي تنسف أي مسعى سياسي.

تقرير صادر عن لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني خلص مؤخرًا إلى أن بريطانيا مطالبة بأن تكون أكثر جرأة وصرامة في إجراءاتها لعزل حكومة ترتكب جرائم حرب على مرأى من العالم، فيما على الاتحاد الأوروبي أن ينتقل من التصريحات المكررة إلى خطوات ملموسة تحدث أثرًا اقتصاديًا واضحًا على حكومة الاحتلال. وترى الصحيفة أن الولايات المتحدة وحدها قادرة فعليًا على إجبار نتنياهو على وقف حملته الإبادية في غزة، لكن تراخي أوروبا شجّعه على المضي في مخططاته لإعادة تشكيل مستقبل الشرق الأوسط وفق تصورات متطرفة يفرضها وزراء حكومته اليمينيون المتشددون.

الصحيفة ختمت بالتحذير من الاكتفاء بالرمزيات، في إشارة إلى خطط عدد من الدول الأوروبية للاعتراف الرمزي بالدولة الفلسطينية خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر، مؤكدة أن هذا لن يوقف القنابل التي تزعزع استقرار منطقة الخليج، ولا سياسات الضم الزاحف لأراضي الضفة الغربية، ولا المعاناة المتواصلة لسكان غزة المدنيين الذين يستعدون لجولة جديدة من المجازر.