في خطوة مفاجئة أثارت جدلاً واسعًا وتساؤلات عميقة، كشفت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية عن زيارة وفد من “منتدى الشرق الأوسط” يضم الصحفي والباحث البريطاني الإسرائيلي جوناثان سباير إلى مدينة عدن، العاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، برفقة الباحث الأمريكي البارز في معهد “أمريكان إنتربرايز” مايكل روبين، وذلك بتنسيق مباشر مع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات. 

وتخللت الزيارة لقاءات مع قيادات المجلس ومسؤولين حكوميين بارزين، ما أثار أسئلة ملحّة حول مدى تورط أبوظبي في تمهيد الأرضية لتطبيع علني بين الكيان الإسرائيلي والانفصاليين الجنوبيين في حال نجاح مشروع تقسيم اليمن.

زيارة تحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة

بحسب الصحيفة العبرية، جرى استقبال الوفد في مقر الهيئة الوطنية للإعلام الجنوبي بحضور نائب رئيسها مختار اليافعي وعدد من قيادات المجلس، كما التقى الوفد بكلّ من علي الكثيري رئيس الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي، وأبو نصر رئيس جهاز الاستخبارات في المجلس، إضافة إلى وزير الدفاع في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا اللواء محسن الداعري، حيث ناقشوا خطط العمليات العسكرية المشتركة وتعثرها.

وشملت الزيارة أيضًا جولات ميدانية في مناطق التماس بمحافظات الضالع وأبين وشبوة، حيث التقى الوفد بقادة ميدانيين من قوات الانتقالي، واطّلعوا على الأوضاع العسكرية على الأرض. ووفق مصادر يمنية مطلعة، فإن السماح بدخول صحفي إسرائيلي إلى مدينة عدن وتسهيل تحركاته بهذه الطريقة يمثل سابقة نوعية في تاريخ اليمن الحديث المعروف بعدائه الشعبي الواسع للتطبيع مع إسرائيل.

من خطاب الانفصال إلى التمهيد للتطبيع

الزيارة تأتي متسقة مع تصريحات سابقة لقادة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، وعلى رأسهم عيدروس الزبيدي، الذي أعلن عام 2021 استعداده لتطبيع العلاقات مع إسرائيل وفتح سفارة لها في عدن بمجرد إعلان دولة الجنوب. كما صرّح في ديسمبر/كانون الأول 2023 بأن “إسرائيل ستكون حليفًا ميدانيًا ضد الحوثيين إذا اعترفت بحق تقرير المصير للجنوب”، في إشارة واضحة إلى أن مشروع الانفصال قد يكون مدخلاً لتطبيع كامل مع الاحتلال الإسرائيلي برعاية أبوظبي.

ويُذكر أن هاني بن بريك، نائب رئيس المجلس، سبق أن بارك علنًا اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي عام 2020، وأعلن استعداده لزيارة تل أبيب ولقاء اليهود اليمنيين هناك، مما يعكس وجود تيار نافذ داخل المجلس الانتقالي يتبنى رؤية إماراتية في دمج الجنوب ضمن محور التطبيع العربي مع إسرائيل.

تبريرات ضعيفة ومحاولات لتخفيف وقع الفضيحة

في المقابل، حاول بعض الإعلاميين الموالين للمجلس الانتقالي التقليل من أبعاد الزيارة، حيث قال الصحفي صلاح السقلدي إن الوفد لم يأتِ بدافع دعم الانفصال أو التمهيد للتطبيع، بل باعتبار اليمن موقعًا جيوسياسيًا مهمًا للولايات المتحدة في ظل التصعيد الحوثي في البحر الأحمر وباب المندب، زاعمًا أن المجلس لم يكن يعلم بجنسية سباير الإسرائيلية.

لكن هذه التبريرات قوبلت بتشكيك واسع في الأوساط اليمنية والعربية، لا سيما بعد أن نشر سباير مقالا في “جيروزاليم بوست” تناول فيه تفاصيل الزيارة ورؤيته الخاصة لأوضاع اليمن، مهاجمًا الحكومة اليمنية وواصفًا المجلس الانتقالي بأنه “القوة الوحيدة الجادة لمحاربة الحوثيين”.

الإمارات.. الممول والمحرك لمشروع الانفصال والتطبيع

يرى محللون أن الدور الإماراتي يبدو حاسمًا في ترتيب هذه الزيارة المثيرة للجدل، حيث تعمل أبوظبي منذ سنوات على بناء دولة جنوبية موازية في اليمن عبر دعم وتسليح وتدريب قوات المجلس الانتقالي، وتمكينها سياسيًا وإعلاميًا، مع السعي لفصلها تدريجيًا عن الحكومة الشرعية والتحالف العربي بقيادة السعودية.

ويعتقد الباحث اليمني في العلاقات الدولية عبدالله الهندي أن السماح بدخول وفد يضم صحفيًا إسرائيليًا إلى عدن لم يكن ليحدث دون غطاء إماراتي واضح، معتبرًا أن أبوظبي تسعى لتقريب المجلس من محور التطبيع العربي الإسرائيلي، تمهيدًا لجعل الجنوب اليمني قاعدة نفوذ مشتركة تحمي مصالحها في البحر الأحمر وخطوط الملاحة العالمية، خاصة مع اشتداد الصراع على باب المندب.

وأضاف الهندي أن المجلس الانتقالي “لم يعد يتعامل مع فلسطين كقضية مركزية، بل يضعها في الهامش وفق ما تسمح به تحالفاته الخارجية”، مشيرًا إلى أن ذلك يضعه “في تقاطع مباشر مع سياسات أبوظبي التطبيعية”، ويمنح الحوثيين فرصة تقديم أنفسهم كحماة لفلسطين في مواجهة “العملاء المطبعين”.

زيارة تكشف الموقف الحقيقي وتضع الانتقالي تحت الضغط

ويخلص محللون إلى أن السماح بزيارة سباير وعدن ونشره لتفاصيلها في الإعلام الإسرائيلي هو تطور ذو دلالات عميقة تتجاوز بعدها الإعلامي، إذ يكشف عن استعداد متزايد داخل المجلس الانتقالي للسير في طريق التطبيع الذي ترعاه أبوظبي كجزء من مشروعها لتقسيم اليمن.

كما يشير هؤلاء إلى أن صمت الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي عن هذه الزيارة يثير تساؤلات حول مدى تماهي بعض أجنحتها مع هذا المسار، أو على الأقل عجزها عن التصدي له، محذرين من أن أي تساهل في هذا الملف سيفقد الانتقالي شرعيته الأخلاقية والشعبية في الداخل اليمني ويمنح خصومه أوراق ضغط قوية.

وفي ظل غياب موقف رسمي أو توضيح من المجلس الانتقالي نفسه، تبقى هذه الزيارة إشارة إنذار مبكر لليمنيين والعرب بأن مشروع تقسيم اليمن قد يتحول إلى بوابة للتطبيع الكامل مع إسرائيل برعاية إماراتية، في خيانة صريحة لتضحيات الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يقصف مبنى سكنيًا في النبطية بذريعة استهداف حزب الله.. عربدة متجددة على السيادة اللبنانية