رغم التهديدات المتكرّرة من قادة الاحتلال الإسرائيلي، ووسط التضييق البحري الخانق المفروض منذ أكثر من 18 عاماً على قطاع غزة، يواصل “أسطول الصمود” رحلته متحدّياً كل العراقيل. 

هذا الأسطول الذي يضم عشرات السفن ومئات النشطاء من مختلف أنحاء العالم، تحوّل إلى رمز نضالي يتجاوز كونه مبادرة إنسانية لنقل مساعدات غذائية وطبية، ليصبح تعبيراً حيّاً عن وحدة الشعوب في مواجهة الاحتلال والحصار.

الإعلام ساحة المواجهة الأولى

منذ الأيام الأولى لانطلاق الرحلة من ميناء برشلونة الإسباني، أدركت إسرائيل أن الخطر لا يكمن فقط في السفن الصغيرة المتجهة إلى غزة، بل في الزخم الشعبي والإعلامي الذي يرافقها. فكل محاولة إسرائيلية لوسم الأسطول بـ”التهديد الأمني” أو ربطه بتنظيمات معينة، وجدت في المقابل حملة إلكترونية مضادة، يقودها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بلغات عدّة، تنشر رواية الأسطول الأصلية، وتكشف التضليل الإعلامي العبري والغربي.

أعضاء الأسطول شدّدوا على أن تسجيل يوميات مصوّرة، وبثّ مباشر من على متن السفن، ونشر بيانات بلغات متعددة، ليست خطوات إعلامية عابرة، بل أدوات حماية حقيقية. فهي تكفل وصول الرواية الحقيقية للعالم، وتضع إسرائيل أمام اختبار قانوني وأخلاقي إذا أقدمت على الاعتداء. بذلك، تتحوّل الكاميرات والهواتف إلى “درع رقمي” يوازي في قوته ما تحمله السفن من مؤن وإمدادات.

من الرباط إلى صنعاء.. الشعوب تتحرّك

لم تقتصر المساندة على الفضاء الرقمي، بل ترجمت إلى تحركات جماهيرية واسعة في الشوارع. ففي المغرب وحده، نُظّمت نحو 90 وقفة احتجاجية في 56 مدينة خلال أسبوع واحد فقط، رُفعت خلالها شعارات مباشرة: “لا تتركوا الأسطول وحيداً”، “الحصار جريمة”، و”أنقذوا غزة”.

وفي تونس، اجتمع نشطاء أمام المسرح البلدي في العاصمة مطالبين بفتح المعابر ووقف جرائم الحرب. أما في اليمن، فخرجت مظاهرات ضخمة نددت بما وصفته “الخذلان العربي”، وحمّلت الولايات المتحدة مسؤولية مباشرة عبر دعمها للاحتلال الإسرائيلي. هذه التحركات لم تكن محصورة في المنطقة العربية فقط، بل امتدت إلى مدن أوروبية وأميركية حيث خرجت مظاهرات تضامنية، ما يعكس عالمية قضية الأسطول وغزة معاً.

يرى كثير من المتظاهرين أن الأسطول لا يحمل مساعدات فحسب، بل “يمتحن وعي الشعوب” وقدرتها على الفعل عندما تعجز الحكومات عن اتخاذ مواقف تتجاوز البيانات الشكلية. بذلك يصبح كل تحرك جماهيري، سواء وقفة صغيرة أو مسيرة ضخمة، جزءاً من “القوة الشعبية” التي ترافق الأسطول في رحلته البحرية.

التمويل الشعبي.. ضمانة الاستقلالية

من أبرز مظاهر الدعم التي تعكس جدّية الشعوب، التمويل الشعبي واسع النطاق. فقد جمع “أسطول الصمود” أكثر من 3.2 ملايين يورو من 68 ألف متبرع عبر العالم، دون أي تمويل حكومي أو رعاية مؤسسية رسمية. هذا الرقم لا يعكس فقط قدرة المجتمعات على مدّ يد العون، بل يبرهن على استقلالية المبادرة عن أي أجندة سياسية أو مصالح حزبية.

الأموال صُرفت على الوقود، المؤن الغذائية، أجهزة الاتصال، وأعمال الصيانة للسفن. بعضها استُبعد لاحقاً لأسباب تتعلق بالسلامة، بينما بقيت سفن أخرى تحت التأهيل، وهو ما يبرز حجم التحديات اللوجستية. ومع ذلك، نجح القائمون على الأسطول في تسيير القوافل البحرية دفعة واحدة، بمرافقة السفينة الأكبر “ألما” التي تؤدي دور “سفينة الدعم”، إذ تزود باقي القوارب الصغيرة بالمؤن والوقود خلال الرحلة.

وائل نوار، الناطق باسم هيئة تسيير الأسطول المغاربي، لخّص الموقف بقوله: “هذه ليست مجرد محاولة لكسر الحصار، بل معركة أخلاقية ضد التطبيع مع جرائم الحرب. عزيمتنا صلبة وإيماننا راسخ بأن هذه المهمة واجب إنساني وأخلاقي”.

البعد القانوني.. الاحتلال في مواجهة الشرعية الدولية

إسرائيل تحاول جاهدة وسم الأسطول بأنه “تهديد أمني”، وهو ما وصفه أعضاء المبادرة بـ”تزوير صريح للقانون الدولي”. فبحسب اتفاقيات جنيف وقرارات محكمة العدل الدولية، فإن المبادرات الإنسانية السلمية تتمتع بحماية قانونية كاملة، وأي اعتداء عليها يعد جريمة حرب.

من هنا، جاءت دعوات النشطاء إلى تحويل أي استهداف محتمل للأسطول إلى قضية قانونية أمام المحاكم الدولية، وتوظيف الضغط الشعبي على البرلمانات والحكومات لاتخاذ مواقف عملية. بمعنى آخر، لا يهدف الأسطول فقط إلى كسر الحصار البحري، بل إلى إحراج المنظومة الدولية وإجبارها على اختبار التزاماتها القانونية والأخلاقية.

الرسالة الأخيرة.. الشعوب أقوى من الحصار

على متن السفن، يجلس نحو ألف ناشط من مختلف الجنسيات، يحملون رسالة واحدة: أن غزة ليست وحيدة. هذه الرسالة تتجاوز رمزية التضامن لتؤكد أن الشعوب، من أقصى المغرب إلى آسيا وأوروبا، قادرة على تحويل الغضب إلى فعل مؤثر.

لقد أثبت “أسطول الصمود” أن الدعم الشعبي يتخذ أشكالاً متعددة: من التبرع المالي البسيط، إلى الوقفات الجماهيرية، إلى الحملات الإعلامية، وصولاً إلى وجود جسدي فعلي على متن السفن المتجهة إلى غزة. وهذا التنوّع هو ما يجعل الاحتلال الإسرائيلي في حالة ارتباك، لأنه يواجه “شبكة تضامن عالمية” لا يمكن حصارها كما يُحاصر شريطاً ساحلياً صغيراً.

وبينما تبقى نهاية رحلة الأسطول مفتوحة على احتمالات شتى، يبقى الأكيد أن الشعوب أثبتت مرة أخرى قدرتها على صنع الأحداث، وتذكير العالم بأن الصمت الرسمي لا يلغي صرخات المظلومين.

📌 خلاصة: من التبرع الشعبي إلى التغطية الإعلامية، ومن الوقفات الميدانية إلى المرافعة القانونية، أثبتت الشعوب أن “أسطول الصمود” ليس مجرد قافلة بحرية، بل حركة تضامنية عالمية، تكشف هشاشة الرواية الإسرائيلية وتعيد الاعتبار لصوت الشعوب في مواجهة الحصار والاحتلال.

اقرأ أيضًا : السلطات المصرية تُفرج عن علاء عبد الفتاح: بين الاستجابة للضغوط والبحث عن صورة جديدة للنظام