في مشهد اعتبره متابعون منعطفًا جديدًا في معركة غزة، بثّت كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس، مشاهد حية توثق لحظة استهداف وتدمير دبابة “ميركافاة” إسرائيلية متوغلة في شارع الصناعة بمنطقة تل الهوى بمدينة غزة. الفيديو الذي انتشر بسرعة عبر المنصات أظهر مقاتلي القسام وهم يرصدون تقدم آليات الاحتلال بدقة، قبل أن يجهزوا صواريخ “الياسين 105” المضادة للدروع التي استعملوها في الضربة المباشرة.
اللقطات لم تترك مجالًا للشك؛ فقد أصابت القذيفة الدبابة إصابة قاتلة، تلاها انفجار ضخم هز المكان. هذه المشاهد ليست مجرد توثيق عسكري، بل تمثل أول ظهور مصور لضربات القسام ضد قوات الاحتلال داخل قلب مدينة غزة، الأمر الذي يضفي رمزية كبيرة على العملية ويعكس حجم التحدي الميداني.

معركة الإرادات: دبابة “الميركافاة” ليست منيعة
دبابة “ميركافاة” التي طالما قدّمتها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على أنها الأكثر تطورًا وحصانة في العالم، سقطت اليوم في فخ المقاومة. تدميرها في شوارع غزة يوجه رسالة مزدوجة: الأولى أن تقنيات الاحتلال لم تعد ضمانة لتفوقه، والثانية أن القسام ينجح في إدارة معركة استنزاف مدروسة.
جيش الاحتلال نفسه اعترف بخسارة ضابط رفيع برتبة رائد يقود سرية دبابات، مؤكدا مقتله جراء الاستهداف. وقبلها بيوم واحد، أعلن الاحتلال إصابة خمسة من طاقم آلية مدرعة بصاروخ مضاد للدروع، بعضهم بجراح خطيرة، كما أصيب اليوم جندي من لواء جفعاتي بجروح بالغة خلال مواجهة مع المقاومة. هذه المعطيات تكشف أن الجيش يواجه خسائر متراكمة تتناقض مع دعاية “التقدم الميداني السلس”.
غزة المدمّرة.. والمجازر المستمرة
بينما تحتفي المقاومة بإنجازاتها العسكرية، تعيش غزة على وقع مجازر دامية ترتكبها قوات الاحتلال. فالمشهد الميداني لا يقتصر على تدمير دبابة هنا أو إصابة جندي هناك، بل يترافق مع قصف عشوائي يستهدف الأحياء السكنية والبنية التحتية.
تقارير محلية ودولية تشير إلى أن الاحتلال يواصل سياسة “الأرض المحروقة”، مستخدمًا الطائرات الحربية والمدفعية الثقيلة، بل وحتى آليات مفخخة لنسف الأبنية على من فيها. المستشفيات لم تسلم من الهجمات، والأسواق الشعبية تحولت إلى ركام، فيما يضطر المدنيون إلى النزوح أو البحث عن الغذاء والدواء وسط حصار خانق.
هذه الجرائم، في الوقت الذي ينجح فيه المقاتلون في إلحاق الخسائر بالجيش الغازي، تضع العالم أمام صورة مزدوجة: شجاعة مقاومة محاصرة من جهة، وآلة عسكرية منفلتة ترتكب الفظائع من جهة أخرى.
دلالات سياسية وعسكرية
إن نشر القسام لتلك المشاهد في هذا التوقيت يهدف إلى إعادة صياغة المعادلة الإعلامية والمعنوية. فبينما يسعى الاحتلال لتصدير صورة السيطرة والتقدم، تأتي هذه الضربات لتؤكد أن غزة ليست ساحة مفتوحة، وأن كل شارع يمكن أن يتحول إلى كمين قاتل.
على المستوى العسكري، تكشف الضربة عن تطوير المقاومة لأسلحتها المحلية، خصوصًا صواريخ “الياسين 105″، التي تثبت فعاليتها ضد أحدث المدرعات الإسرائيلية. هذا يعيد للأذهان معركة 2014 حين نجحت المقاومة في تحييد دبابات الاحتلال، لكنه هذه المرة يحدث داخل مدينة غزة نفسها.
أما على المستوى السياسي، فإن هذه التطورات تضع الحكومة الإسرائيلية تحت ضغط داخلي متزايد؛ إذ يتساءل الشارع: كيف يمكن أن يُقتل ضباط وجنود ويُدمر “فخر الصناعات العسكرية” داخل قطاع محاصر منذ 18 عامًا؟
مجازر الاحتلال مقابل صمود المقاومة
المفارقة الصارخة أن الاحتلال، في رده على هذه الخسائر، لا يجد إلا استهداف المدنيين ليبرر فشله العسكري. فالمجازر اليومية بحق النساء والأطفال في غزة تعكس عقلية انتقامية تسعى لتعويض الإخفاقات الميدانية بالدماء البريئة.
لكن هذه السياسة لا تزيد المقاومة إلا إصرارًا، ولا تزيد الرأي العام العالمي إلا قناعة بضرورة محاسبة إسرائيل. حتى داخل المجتمعات الغربية، تتسع دائرة الغضب من مشاهد الدمار في غزة، ما يعمّق عزلة الاحتلال ويُفقده المزيد من الحلفاء.
خلاصة
عملية القسام في تل الهوى لم تكن مجرد استهداف لدبابة، بل ضربة قاسية لأسطورة الجيش الذي لا يُقهر. توثيق المشاهد، وتزامنها مع الاعترافات الإسرائيلية بخسائر بشرية ومادية، يكرّس حقيقة أن غزة تتحول إلى مستنقع استنزاف للجيش الغازي.
وفي المقابل، يواصل الاحتلال ارتكاب جرائم جماعية بحق المدنيين، ظنًا منه أن الدماء قد تخمد إرادة المقاومة. لكن الواقع يقول إن كل مجزرة جديدة تزيد من عزيمة الغزيين، وتضاعف حجم التضامن الدولي معهم.
إنها معركة غير متكافئة، لكنها تكشف يومًا بعد يوم أن الإرادة والابتكار قادرة على كسر التفوق التكنولوجي، وأن غزة، رغم الجراح والمجازر، ما زالت تكتب فصولًا جديدة في سجل المقاومة.
اقرأ أيضًا : من التبرّع إلى التحرّك الشعبي.. هكذا تدعم الشعوب “أسطول الصمود” في رحلته نحو غزة