في خطوة تحمل أبعادًا إنسانية وسياسية عميقة، يشارك وفد موريتاني ضمن “أسطول الصمود” العالمي المتجه إلى غزة، تأكيدًا على تضامن الشعوب مع الفلسطينيين في مواجهة حرب الإبادة والحصار المستمر منذ 18 عامًا.

الوفد، الذي يضم أطباء ومحامين ومهندسين وإعلاميين، يرى في هذه المشاركة واجبًا وطنيًا وأمميًا ينسجم مع الإرث التاريخي لموريتانيا في نصرة القضية الفلسطينية.

رسالة إنسانية عالمية

يؤكد المشاركون الموريتانيون أن الأسطول لا يمثل مجرد مبادرة بحرية عابرة، بل هو صرخة عالمية ضد الإبادة وتجويع السكان. فقد شدد محمد فال ولد الشيخ، أحد أعضاء الوفد، على أن البشرية “لم تعد تحتمل ما يجري في غزة من إبادة جماعية تُرتكب على مرأى ومسمع العالم”، وأن رسالة الأسطول هي إحراج الضمير الإنساني الدولي ودفع الشعوب للتحرك.

الأسطول، الذي يضم متضامنين من مختلف القارات، يرفع علم التضامن الإنساني في وجه صمت الحكومات، وهو ما يجعله حدثًا استثنائيًا من حيث حجم المشاركة والرمزية.

الاستنزاف الشعبي في مواجهة الاحتلال

من جانبه، اعتبر محمد باب سعيد، عضو آخر في الوفد، أن وجود هذه الأساطيل المتتالية يضع الاحتلال الإسرائيلي تحت ضغط استنزافي متواصل، سواء على المستوى العسكري أو الإعلامي أو القانوني. وأوضح أن “استراتيجيتنا هي متابعة الأساطيل واستنزاف جيش الاحتلال حتى الانهيار الكامل، وفك الحصار وفتح المعابر”، مشيرًا إلى أن هذا الجهد يتجاوز البعد الإغاثي نحو رسم معادلة مواجهة جديدة تعكس قدرة الشعوب على فرض إرادتها رغم اختلال موازين القوى.

دعم شعبي واسع في موريتانيا

لم تقتصر المبادرة على النشطاء المشاركين في البحر، بل انعكست أيضًا في الداخل الموريتاني حيث عبّرت مؤسسات المجتمع المدني عن دعمها الصريح. فقد دعت “رابطة الصحفيين الموريتانيين” الحكومة إلى تحمّل مسؤولياتها تجاه مواطنيها المشاركين وتفعيل الجهد الدبلوماسي لتأمين الحماية لهم، مؤكدة أن هذه الخطوة تمثل “هبة إنسانية عالمية” لا يمكن عزلها عن المد الشعبي المتصاعد.

كما أبدت القوى السياسية بمختلف أطيافها تضامنها، من خلال تنظيم مسيرات وفعاليات جماهيرية، في مشهد يعكس الإجماع الوطني الموريتاني حول مركزية القضية الفلسطينية.

موريتانيا.. حالة فريدة من التضامن

اللافت أن الشعب الموريتاني لم يكتفِ بالجانب الرمزي، بل تجاوز ذلك إلى خطوات عملية غير مسبوقة في العالم العربي. إذ تمكنت بعض القبائل من جمع تبرعات تجاوزت 16 مليون دولار لدعم غزة، في مبادرة وُصفت بأنها “الأكبر من نوعها”، وأثبتت أن التضامن الشعبي يمكن أن يتحول إلى فعل مادي مؤثر يساهم في تخفيف آثار الحصار.

هذا السلوك يعكس بوضوح مكانة فلسطين في الوجدان الموريتاني، حيث تُعتبر نصرة الشعب الفلسطيني امتدادًا لمبادئ الهوية والضمير الجمعي.

أسطول غير مسبوق

يتكوّن “أسطول الصمود” من نحو 50 سفينة تحمل مساعدات إنسانية، وعلى متنها أكثر من 500 متضامن من شتى الجنسيات. وتُعد هذه أول مرة يبحر فيها مثل هذا العدد من السفن مجتمعة نحو غزة، ما يمنحه طابعًا استثنائيًا ويجعل من اعتراضه أو عرقلته مغامرة سياسية وأخلاقية باهظة الثمن لأي طرف.

موريتانيا، التي تشارك بسفينة تحمل اسم “قمر”، تؤكد من خلال وجودها أن التضامن لا يقتصر على القوى الكبرى، بل يشمل شعوبًا قد تبدو بعيدة جغرافيًا لكنها قريبة وجدانيًا وروحيًا.

تلاحم الشعوب في مواجهة الصمت الرسمي

ما يميز هذه المبادرة أنها تعكس ديناميكية الشعوب حين تلتقي على هدف مشترك، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة التي غالبًا ما تكبّل المواقف الرسمية. فبينما تواصل بعض الحكومات العربية التزام الصمت أو الحياد، يبرز حضور الوفود الشعبية – ومنها الوفد الموريتاني – ليقول إن القضية الفلسطينية لا تزال قضية أحرار العالم، وليعيد الاعتبار لفكرة التضامن الأممي كأداة ضغط في مواجهة الاحتلال.

إن هذا التلاحم الشعبي يفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة بين الشعوب والحكومات، حيث تصبح المبادرات المدنية بمثابة قوة موازية لميزان القوى التقليدي.

خاتمة: صوت الشعوب أقوى من الحصار

مشاركة الوفد الموريتاني في “أسطول الصمود” لا تُقرأ فقط كخطوة تضامنية، بل كرسالة قوية بأن الشعوب تملك أدواتها الخاصة لمواجهة الظلم، حتى حين تعجز الحكومات عن التحرك. إنها مشاركة تؤكد أن غزة ليست وحدها، وأن المحيط الشعبي العربي والإسلامي ما زال حاضرًا وفاعلًا.

وفي وقت يتعرض فيه القطاع لأبشع أشكال الإبادة الجماعية، يثبت هذا الأسطول – برمزيته وحجمه – أن الحصار مهما طال سيبقى هشًا أمام إصرار الشعوب، وأن صوت الضمير الإنساني سيظل يلاحق الاحتلال حتى ينكسر الجدار الفاصل بين غزة والعالم.

اقرأ أيضًا : غزة بين التجويع والإبادة: جريمة حرب وامتحان للضمير العالمي