لم يكن صباح الاثنين عاديًا في دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ تحوّل مطار “بن غوريون”، الذي يُعد شريانًا رئيسيًا لحركة الطيران والسفر، إلى مشهد من الفوضى والشلل المؤقت بعد إعلان جيش الاحتلال اعتراض صاروخ باليستي أُطلق من اليمن.
هذا الحدث، رغم محاولة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التخفيف من تداعياته، فتح الباب واسعًا أمام تساؤلات عميقة حول قدرة الاحتلال على مواجهة جبهة بعيدة جغرافيًا، لكنها أثبتت قدرتها على إرباك الداخل الإسرائيلي وإصابة مراكز حيوية بالشلل.

من صنعاء إلى تل أبيب: رسائل استراتيجية عبر الصاروخ
أوضح جيش الاحتلال في بيانه أن “أنظمة الدفاع الجوي رصدت إطلاق صاروخ من اليمن وتم اعتراضه بنجاح”، لكنه اعترف في الوقت ذاته بتفعيل صفارات الإنذار في مناطق متعددة داخل إسرائيل. وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية، فإن الحركة الجوية في مطار “بن غوريون” توقفت مؤقتًا، كإجراء احترازي اعتادت تل أبيب اتخاذه عند أي تهديد صاروخي، قبل أن تُستأنف لاحقًا بعد تقييم الموقف الأمني.
غير أن الرواية الإسرائيلية التقليدية عن “الاعتراض الناجح” لم تمنع من ظهور رواية موازية أكثر قوة وخطورة؛ فقد أعلنت جماعة “أنصار الله” الحوثية أنها نفذت عملية عسكرية نوعية باستخدام صاروخ باليستي فرط صوتي انشطاري من طراز “فلسطين2″، استهدف “مواقع حساسة في يافا المحتلة”. وأكد بيان الجماعة أن العملية حققت أهدافها بدقة، وأدت إلى حالة من الذعر، خصوصًا بعد مشاهد نزوح آلاف الإسرائيليين نحو الملاجئ وتوقف الحركة في مطار اللد.
السياق الإقليمي: من غزة إلى اليمن
لا يمكن فصل هذا التطور عن السياق الإقليمي الأوسع؛ فالهجوم اليمني جاء بعد أيام فقط من غارات إسرائيلية على العاصمة اليمنية صنعاء استهدفت أحياء سكنية ومحطة كهرباء، مخلفة عشرات القتلى والجرحى. هذه الغارات، التي وصفتها صنعاء بـ”العدوان المباشر”، مثّلت تصعيدًا خطيرًا أخرج المواجهة من الطابع غير المباشر إلى الاشتباك العسكري العابر للحدود.
من جهة أخرى، يربط الحوثيون عملياتهم العسكرية مباشرة بما يحدث في غزة، حيث يصفونها بأنها “رد على جرائم الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني”. ففي الأسبوع الماضي، أعلنت الجماعة تنفيذ هجوم بطائرتين مسيرتين على مدينة إيلات جنوب فلسطين المحتلة، أسفر عن إصابة عشرات الإسرائيليين، بينهم حالات حرجة. هذا التلاقي بين الساحتين الغزاوية واليمنية يؤكد أن جبهة المقاومة ضد الاحتلال آخذة في التوسع، وأن استهداف تل أبيب لم يعد حكرًا على فصائل غزة أو حزب الله في لبنان.
الضربة الموجعة: شلل في المطار وانكشاف أمني
أهمية الهجوم لا تكمن فقط في عدد الصواريخ أو حجم الأضرار، بل في الرسائل الرمزية والاستراتيجية. مطار “بن غوريون” يُعتبر رمزًا لارتباط الاحتلال بالعالم الخارجي، ونافذة اقتصاده وسياحته واستثماراته. أي توقف فيه، ولو لساعات، يعني خسائر اقتصادية كبيرة، فضلًا عن اهتزاز ثقة الداخل الإسرائيلي بقدرة منظومة الدفاع على حماية المواقع الحيوية.
تجربة “القبة الحديدية” والأنظمة الدفاعية الأخرى أظهرت أن الاعتراضات ليست ضمانًا مطلقًا للأمن، وأن تكلفة إسقاط الصواريخ قد تفوق أحيانًا تكلفة إطلاقها. ففي حين ينفق الحوثيون جزءًا محدودًا لإطلاق صاروخ باليستي أو مسيّرة، تضطر إسرائيل إلى استخدام صواريخ اعتراضية باهظة الثمن، إضافة إلى التكلفة الاقتصادية غير المباشرة الناتجة عن الشلل في المطارات والموانئ.
هشاشة الاحتلال: جبهات متعددة وضغط داخلي
الهجوم اليمني يكشف عن هشاشة الاحتلال الإسرائيلي أمام ضربات تأتي من خارج “دائرة الصراع التقليدي”. فبينما تواجه تل أبيب مقاومة عنيفة في غزة، وضغوطًا متصاعدة من حزب الله في الشمال، تجد نفسها مضطرة لمواجهة تهديد جديد قادم من الجنوب البعيد. هذا التمدد في الجبهات يعكس مأزقًا استراتيجيًا خطيرًا: جيش الاحتلال بات يوزع قدراته على أكثر من ساحة، ما يزيد من إرهاقه الميداني والسياسي.
إضافة إلى ذلك، فإن مشاهد الهلع التي رافقت إطلاق الصواريخ، وإخلاء المطار، ونزوح السكان إلى الملاجئ، تُعمّق أزمة الثقة بين المؤسسة العسكرية والجمهور الإسرائيلي. فالمجتمع الذي كان يتفاخر يومًا بـ”منظومة دفاع لا تُقهر” يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف: السماء لم تعد آمنة، والمطارات لم تعد محصّنة، والخطر يمكن أن يأتي من آلاف الكيلومترات.
تحذيرات الحوثيين ورسائل البحر الأحمر
لم يتوقف الحوثيون عند حدود الضربة الصاروخية، بل وجّهوا تحذيرات جديدة إلى الشركات والسفن المدنية والعسكرية التي تعبر البحر الأحمر والبحر العربي، مطالبين إياها بالكشف عن هويتها. هذه الرسائل تعكس توجّه الجماعة إلى توسيع دائرة المواجهة البحرية، وهو ما قد يهدد خطوط التجارة الدولية ويضع إسرائيل تحت ضغط اقتصادي وجغرافي متزايد.
خلاصة: مناعة الاحتلال تتآكل
العملية الأخيرة تكشف أن “المناعة الأمنية” التي لطالما تباهت بها إسرائيل تتآكل يومًا بعد يوم. فكلما اتسعت رقعة المقاومة من غزة إلى لبنان واليمن، ازداد الاحتلال هشاشةً، وأصبح عاجزًا عن حماية مراكزه الحيوية. صاروخ واحد من اليمن كان كافيًا ليُحدث ارتباكًا كبيرًا في مطار بن غوريون، فكيف سيكون الحال إذا ما تحولت هذه الضربات إلى نمط متكرر؟
الإجابة تحمل في طياتها ملامح مرحلة جديدة: مرحلة لم يعد فيها الاحتلال قادرًا على فرض معادلات الردع القديمة، بل بات يتلقى ضربات متزامنة من جبهات متعددة، تكشف ضعفه البنيوي وتضعه على طريق عزلة متزايدة داخليًا وخارجيًا.
اقرأ أيضًا : الإسرائيليون منبوذون عالميًا.. إيطاليا تستبعد فريقًا إسرائيليًا من سباق دراجات