بقلم / أحمد محمود
في مشهد مأساوي يلخص حال الصحافة السودانية في زمن الحرب، يعيش الصحفيون في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، واحدة من أكثر الفصول دموية في تاريخ المهنة.
فمع استمرار الحصار الخانق الذي تفرضه قوات الدعم السريع على المدينة منذ مايو/أيار 2024، باتت الكلمة الحرة تُدفع ثمنها جوعًا ودمًا، بينما يواجه الصحفيون هناك مطاردات واعتقالات واغتصابات وتعذيبًا ممنهجًا، وفق ما أكد تقرير لجنة حماية الصحفيين الدولية (CPJ).
حصار يخنق الحقيقة
منذ العاشر من مايو/أيار، تفرض قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” حصارًا شاملاً على الفاشر، المدينة التي تُعد مركزًا حيويًا للعمل الإنساني في إقليم دارفور. صور الأقمار الصناعية التي نشرتها جامعة ييل الأمريكية كشفت قيام المليشيات بتشييد جدران ترابية تطوّق المدينة من جميع الجهات، مما جعلها سجناً كبيراً يضم أكثر من 800 ألف مدني بلا غذاء أو دواء.
وتقول الأمم المتحدة إن المساعدات لم تصل إلى المدينة منذ أكثر من 16 شهرًا، بعد أن حُوصرت قوافل الإغاثة أو نُهبت بالكامل من قبل عناصر الدعم السريع، وهو ما اعتبرته المنظمات الدولية “استخداماً ممنهجاً للتجويع كسلاح حرب”.
المدينة التي كانت قلب النشاط الإعلامي لدارفور، تحوّلت إلى منطقة معزولة. فالصحفيون فيها يعيشون دون كهرباء أو إنترنت، ويعملون في ظروف أشبه بحرب إبادة، وسط قصف يومي يستهدف أحياء المدنيين.
الصحافة بين الجوع والاغتصاب
تقرير لجنة حماية الصحفيين الدولية وثّق شهادات سبعة صحفيين يعيشون أو عاشوا مؤخرًا في الفاشر. جميعهم تحدثوا عن الجوع والحرمان، لكن الأخطر كان ما تعرضوا له من انتهاكات بسبب مهنتهم.
أحد الصحفيين قال للجنة: “نحن جائعون ومطاردون، لكننا نكتب لأن أصواتنا هي آخر ما تبقى لنا”.
في حين روت صحفية أخرى تفاصيل اغتصابها على يد ثلاثة مسلحين اقتحموا منزلها في سبتمبر/أيلول الماضي، بعد أن عرفوا هويتها الصحفية. قالت: “لم يكن هذا عنفًا عشوائيًا، لقد كان عقابًا لأنني أنقل الحقيقة”.
وأكدت أنها لم تتمكن من الحصول على علاج أو حتى مسكنات بسبب تدمير المستشفيات.
منتدى الصحفيات في دارفور بدوره سجل ست حالات اغتصاب ضد صحفيات منذ اندلاع الحرب، أربع منها في الفاشر، مرجحًا أن الأعداد الحقيقية أكبر بكثير، بسبب الخوف والوصمة الاجتماعية.
في شهادة أخرى، قالت إحدى الصحفيات إنها احتُجزت لمدة 45 يومًا بين أبريل/نيسان ومايو/أيار، وتعرضت للضرب والتعذيب على أيدي عناصر الدعم السريع: “أرادوا أن أتوقف عن العمل، قالوا لي إن صوتي أخطر من الرصاص”.
وفي نهاية المطاف، توقفت عن الكتابة، لكن ليس خوفًا، بل لأنها كانت على وشك الموت جوعًا.
تجويع متعمّد.. دارفور تشبه غزة
اللجنة الدولية وصفت ما يجري في الفاشر بأنه “نسخة سودانية من حصار غزة”، مؤكدة أن قوات الدعم السريع تستخدم التجويع كسلاح سياسي لمعاقبة السكان والصحفيين الذين يوثّقون جرائمها.
الأسواق خالية من الطعام، والمساعدات الدولية ممنوعة. وحتى القليل من المواد الغذائية التي تُهرّب إلى المدينة تُباع بأسعار خيالية.
كيلوغرام السكر وصل إلى 28 دولارًا، بعد أن كان سعره دولارين قبل الحرب. أما الأرز والدقيق والحليب المجفف فتجاوزت أسعارها 80 دولارًا للكيلوغرام الواحد، وهو ما يعني أن أسرة متوسطة تحتاج إلى ما يعادل 500 دولار أسبوعيًا لتأمين غذاءها الأساسي، وهو مبلغ مستحيل في مدينة بلا دخل.
في هذا الجحيم، يروي الصحفي جهاد أحمد البدوي تفاصيل الحياة اليومية: “نحن نعيش على الأمباز (علف الحيوانات)، نطحنه ونصنع منه عصيدة نأكلها، لكنها تصيبنا بالإسهال والتسمم”.
ويضيف: “ماتت عائلات بأكملها بعد تناول علف ملوث، ولم نعد نرى الفاكهة منذ أكثر من عام”.
وفي تعبير صادم قالت إحدى الصحفيات للجنة: “الجوع كافر، لقد فقدنا صبرنا وكرامتنا، سقطت من فقر الدم حتى لم أعد أستطيع المشي”.
خطر المهنة.. وحرب على الحقيقة
رغم كل ذلك، لا يزال بعض الصحفيين في الفاشر مصرين على البقاء. يقول الصحفي معمر إبراهيم: “الصحافة هنا ليست وظيفة، إنها واجب، حتى لو كلفنا ذلك حياتنا”.
ويضيف: “ما يجري ليس حربًا بين الجيش والدعم السريع، بل حرب ضد الحقيقة نفسها. وإذا استمر العالم في الصمت، فسيكون شريكًا في دفن الفاشر وشعبها”.
التقرير خلص إلى أن الدعم السريع، المدعوم إماراتيًا، لا يكتفي بفرض الحصار، بل يسعى إلى إسكات أي صوت يوثق جرائمه. فالمليشيات، بحسب اللجنة، تعتبر الكاميرا والميكروفون أخطر من السلاح، ولذلك تستهدف الصحفيين بوحشية.
صمت دولي وتواطؤ إماراتي
ورغم وضوح الأدلة، لا يزال الموقف الدولي باهتًا. الأمم المتحدة تكتفي بالتحذير من “كارثة إنسانية وشيكة”، دون أن تفرض أي إجراءات لرفع الحصار أو حماية الصحفيين.
في المقابل، تتصاعد الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بتمويل وتسليح قوات الدعم السريع، رغم توثيق جرائمها ضد المدنيين في دارفور، بما في ذلك قصف القرى، ونهب المساعدات، وارتكاب جرائم اغتصاب جماعي.
في ظل هذا التواطؤ، يجد الصحفيون في الفاشر أنفسهم عالقين بين الموت جوعًا أو القتل بصمت. ومع كل يوم يمر، تتحول المدينة إلى مقبرة مفتوحة للحقيقة، فيما يواصل أبناء المهنة هناك الكتابة بدمائهم، متحدّين الحصار والعزلة والجوع، ليقولوا للعالم: ما زال في دارفور من يكتب.. وما زال في السودان من يشهد.