في ضربة قضائية موجعة لإسرائيل وجماعات الضغط الموالية لها، رفضت محكمة فيدرالية أمريكية دعوى قضائية رفعها عشرات الإسرائيليين ضد وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، متهمين إياها زورًا بتحويل أموال لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) للمشاركة في عملية “طوفان الأقصى”.
القاضية الأمريكية أناليسا توريس، في قرارها الصادر عن محكمة مانهاتن، أكدت أن الوكالة تتمتع بحصانة مطلقة كونها جزءًا من منظومة الأمم المتحدة، رافضة مزاعم أن الأونروا “وكالة متخصصة” لا يشملها هذا الامتياز.
ويأتي هذا القرار في وقت شنت فيه حكومة الاحتلال الإسرائيلي حملة تشويه غير مسبوقة ضد المنظمة الأممية، بعد أن واصلت الأخيرة توثيق جرائم الاحتلال في قطاع غزة وتقديم المساعدات للمدنيين رغم ظروف الإبادة والحصار.

 

شهادة نزاهة أمام العالم

المستشار الإعلامي للأونروا، عدنان أبو حسنة، وصف في تصريح خاص القرار بأنه “مهم جدًا بعد الحملة الظالمة التي استهدفت المنظمة سياسيًا وقانونيًا”.
وأوضح أن “القضاء الأمريكي منح شهادة نزاهة للأونروا وأكد أنها جزء أصيل من منظومة الأمم المتحدة، وأن الادعاءات الإسرائيلية عن دعمها للإرهاب باطلة تمامًا”.
وأضاف أبو حسنة أن “كل لجان التحقيق التي شُكلت – سواء من وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة كاترين كولون أو من مكتب الرقابة الداخلية للأمم المتحدة – لم تجد أي دليل على ارتباط الوكالة بحماس أو أي نشاطات عسكرية”.
بهذا القرار، تُغلق صفحة من محاولات الابتزاز السياسي الذي مارسته إسرائيل لتقويض الوكالة التي تمثل الشاهد الأممي الأبرز على جريمة اللجوء الفلسطيني المستمرة منذ 1948، وتؤكد أن القضاء الأمريكي – رغم انحياز الإدارات السياسية – لا يزال قادرًا على الاعتراف بالحقائق القانونية متى وُضعت أمامه بوضوح.

قرار يقوّي المنظمة الأممية ويُربك الاحتلال

يرى مراقبون أن القرار الأمريكي لا يمثل فقط انتصارًا قانونيًا للأونروا، بل يُضعف الحملة الدبلوماسية الإسرائيلية الهادفة إلى تجفيف مواردها وإلغاء تفويضها الأممي.
ويقول أبو حسنة: “القرار يصب في مسار تقوية الأونروا، ويعيد الاعتراف بأنها كيان أممي مستقل يتمتع بالحصانة الدولية، وأن أي استهداف لها يعني استهدافًا للأمم المتحدة نفسها”.
وأضاف أن هذه القضية “كانت جزءًا من الحملة ضد الأونروا، التي حاولت تشويهها بعد حرب الإبادة في غزة”.
ويشير خبراء قانونيون إلى أن المحكمة الأمريكية لم تُدِن الأونروا فحسب، بل منحتها غطاءً قانونيًا دوليًا يمكنها من مواجهة أي دعاوى مستقبلية، خصوصًا تلك التي تُرفع بتحريض من جماعات ضغط إسرائيلية تسعى إلى خنق المنظمة مالياً وتشويه صورتها في الغرب.

الأونروا بين الدعم الدولي والخذلان العربي

ورغم الانتصار القضائي، لا تزال الأونروا تواجه أزمة مالية خانقة تهدد بوقف خدماتها الأساسية لملايين اللاجئين الفلسطينيين في فلسطين وسوريا ولبنان والأردن.
يقول أبو حسنة لـ”عربي21”: “الأونروا تعاني من عجز مالي يبلغ نحو 200 مليون دولار حتى نهاية العام، ما يُهدد عملياتها ليس فقط في غزة والضفة، بل في الدول المضيفة أيضًا”.
ولفت إلى أن “الدعم العربي تراجع بشكل خطير، إذ بلغ في عام 2024 نحو 190 مليون دولار، بينما في العام الحالي لم يتجاوز 14 مليون دولار فقط”، داعيًا الدول العربية إلى “تحمل مسؤولياتها لمنع انهيار الوكالة التي يعيش من خدماتها أكثر من ستة ملايين لاجئ فلسطيني”.
ورغم أن بعض الدول الأوروبية – خاصة الاتحاد الأوروبي – لا تزال تقدم دعمًا مستقرًا، فإن غياب الدعم الأمريكي، واستمرار الضغوط الإسرائيلية، جعلا الأونروا في حالة مالية حرجة، ما ينعكس مباشرة على اللاجئين الذين يعتمدون على خدمات التعليم والصحة والمساعدات الغذائية.

إجرام الاحتلال ضد الأونروا خلال الحرب

خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، كانت الأونروا هدفًا مباشرًا لإجرام الاحتلال. فقد قصف الجيش الإسرائيلي مقراتها ومدارسها التي احتمى بها آلاف المدنيين، واغتال عددًا من موظفيها، واعتقل آخرين بتهم ملفقة.
كما منعت سلطات الاحتلال دخول الشاحنات الإنسانية التابعة للوكالة، واتهمت موظفين فيها بالمشاركة في عملية “طوفان الأقصى”، ما أدى إلى وقف بعض أنشطتها في القدس وغزة.
يقول أبو حسنة: “رغم كل ما حدث، واصل 12 ألف موظف في غزة العمل تحت القصف، وقدموا أكثر من 10 ملايين زيارة طبية في عيادات الأونروا منذ 7 أكتوبر، كما واصلت فرقنا جمع النفايات الصلبة وتشغيل ستة عيادات مركزية و35 نقطة طبية متحركة”.
وأكد أن “الوكالة لديها خطط متكاملة لإعادة تشغيل المدارس والمراكز الطبية، وإعادة تأهيل 22 عيادة مركزية فور وقف إطلاق النار”، مضيفًا أن “660 ألف طالب يعيشون اليوم بين الركام، ونحن جاهزون لاستئناف العملية التعليمية تدريجيًا”.
كما أشار إلى أن “هناك 6000 شاحنة مساعدات تابعة للأونروا تنتظر على أبواب القطاع، تكفي سكان غزة لثلاثة أشهر، لكن الاحتلال يرفض السماح بدخولها”، محذرًا من أن استمرار هذا المنع “يعني تفاقم الكارثة الإنسانية”.

الأمل في ما بعد الحرب

مع تزايد الحديث عن وقف إطلاق النار بعد قبول حماس لخطة ترامب وتهدئة ميدانية جزئية، يأمل الفلسطينيون أن تستعيد الأونروا قدرتها التشغيلية الكاملة، وأن تُستأنف برامج التعليم والصحة والإغاثة في القطاع.
يقول أبو حسنة: “لن يكون هناك بديل عن الأونروا، فهي المؤسسة الوحيدة المتماسكة في غزة، ولديها خبرة كبيرة في العمل في أصعب الظروف. نأمل بعد وقف إطلاق النار أن يُسمح لنا بالعمل بحرية وإدخال الإمدادات والموظفين الدوليين”.
وبينما تحاول إسرائيل تدمير ما تبقى من مقومات الحياة في القطاع، يبقى انتصار الأونروا القانوني الأخير بمثابة شهادة دولية على نزاهتها، وصفعة جديدة لمحاولات الاحتلال طمس الحقيقة.
فهي ليست مجرد وكالة إغاثة، بل رمزٌ للذاكرة الفلسطينية، وصوتٌ أممي يفضح جريمة مستمرة منذ أكثر من سبعين عامًا.

اقرأ أيضًا :