توجّه السوريون صباح الأحد إلى صناديق الاقتراع، في أول انتخابات تشريعية تشهدها البلاد منذ سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024، في حدثٍ تاريخي يختبر مدى نضوج الثورة السورية التي أنهت ستة عقود من حكم حزب البعث وأسرة الأسد. المشهد الذي كان قبل سنوات ضربًا من الخيال، تحوّل اليوم إلى واقعٍ ملموس، وسط إجراءات أمنية وتنظيمية غير مسبوقة في سوريا الجديدة.

 

صناديق الاقتراع تفتح.. وسوريا جديدة تولد من رماد الحرب

مع ساعات الصباح الأولى، فتحت المراكز الانتخابية في مختلف المحافظات أبوابها أمام الناخبين. وشهدت المدن الكبرى مثل حلب ودمشق وحمص إقبالاً متفاوتًا من المواطنين، وسط انتشار أمني واسع لضمان سير العملية بسلام، في بلد أنهكته الحرب لعقدٍ كامل.

يبلغ عدد المرشحين لهذه الانتخابات 1578 مرشحًا، بينهم 14% من النساء، فيما خصص للمجلس الجديد 210 مقاعد، يعيّن رئيس الجمهورية ثلثها، بينما يُنتخب الثلثان الآخران. ومن المنتظر أن تُغلق الصناديق مساء الأحد، على أن تُعلن النتائج خلال يومين على الأكثر.

وتُعد هذه الانتخابات أول اختبار فعلي للنظام السياسي الانتقالي برئاسة أحمد الشرع، الذي تسلم السلطة بعد انهيار مؤسسات النظام السابق في ديسمبر الماضي. الشرع، الذي كان نائبًا سابقًا للأسد، أصبح رمزًا للانتقال السلمي بعد أن قاد مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة بالتعاون مع قوى الثورة والمعارضة.

من النظام الأمني إلى النظام الانتخابي.. التحول الأكبر منذ عقود

في 27 آب/أغسطس الماضي، أصدر الرئيس الشرع مرسومًا بالمصادقة على النظام الانتخابي المؤقت، الذي يُعد الأول من نوعه في تاريخ البلاد الحديث. هذا النظام ينص على اعتماد آلية “الانتخاب غير المباشر”، عبر هيئات ناخبة تشكلها لجان قضائية في كل دائرة انتخابية، لضمان الشفافية والرقابة القانونية.

ويُشترط في المرشح لعضوية مجلس الشعب أن يكون من بين أعضاء تلك الهيئات، في خطوة تهدف إلى تقليص نفوذ المال السياسي والعشائري الذي كان يسيطر على الانتخابات في عهد النظام السابق.

وقد شددت لجنة الانتخابات العليا على أن العملية تخضع لمراقبة محلية ودولية، من بعثات عربية وأوروبية، للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن. ويرى محللون أن النظام الجديد يهدف إلى خلق توازن بين تمثيل القواعد الشعبية وحماية التجربة الوليدة من الانقسام أو التلاعب.

وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم اللجنة، المستشار خليل الحسين، إن “هذه الانتخابات تمثل اختبارًا حقيقيًا لإرادة السوريين في بناء ديمقراطية متدرجة، تضمن المشاركة الشعبية وتمنع عودة الاستبداد بأي شكل”.

61 عامًا من القمع تنتهي.. وثمار الثورة تتفتح

انتهى حكم حزب البعث رسميًا في ديسمبر 2024، بعد أن أعلنت الفصائل الثورية، بدعم من المجالس المدنية، بسط سيطرتها الكاملة على البلاد. وبذلك أسدل الستار على 61 عامًا من حكم الحزب، منها 53 سنة سيطرت فيها عائلة الأسد على السلطة بالحديد والنار.

جاء ذلك بعد سنوات من الصراع الدموي الذي بدأ عام 2011، حين خرج السوريون للمطالبة بالحرية والإصلاح. ومع الوقت، تحولت الثورة إلى حرب مفتوحة ضد نظام الأسد وحلفائه، قبل أن تتبدل موازين القوى تدريجيًا لصالح قوى الثورة المدعومة شعبيًا، خصوصًا بعد الانهيار الاقتصادي الكبير في 2023، والعزلة الدولية التي واجهها النظام إثر ارتكابه جرائم حرب موثقة.

اليوم، تبدو سوريا أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء نفسها من جديد. فقد تشكّلت حكومة انتقالية موسعة تضم ممثلين عن مختلف القوى الثورية والمناطقية، إلى جانب شخصيات تكنوقراطية، بهدف إعادة إعمار البلاد وترسيخ مؤسسات الدولة المدنية.

ويقول الباحث السياسي رائد الدبس إن “نجاح هذه الانتخابات يعني ترسيخ مفهوم التداول السلمي للسلطة، وهو ما لم يعرفه السوريون منذ الاستقلال”، مشيرًا إلى أن التحدي الأكبر هو “تحقيق المصالحة الوطنية وبناء جيش وطني موحد، بعد سنوات من الانقسام والتدخلات الخارجية”.

تحديات ما بعد الثورة: الأمن، الاقتصاد، والمحاسبة

رغم أجواء التفاؤل، تواجه سوريا الجديدة تحديات ضخمة. فالبنية التحتية ما زالت مدمرة في كثير من المدن، وملايين النازحين ينتظرون العودة، بينما تتربص قوى إقليمية ودولية بمستقبل البلاد.

كما أن ملف العدالة الانتقالية يُعد من أكثر الملفات حساسية، إذ تطالب منظمات حقوقية بمحاكمة رموز النظام السابق المتورطين في جرائم حرب، وعلى رأسهم بشار الأسد الذي فر إلى الخارج عقب انهيار حكمه.

على الصعيد الاقتصادي، تعاني البلاد من نقص حاد في العملة الأجنبية وارتفاع في معدلات البطالة، وسط جهود حكومية لجذب الاستثمارات العربية والدولية. وقد أعلن رئيس الوزراء المؤقت، الدكتور ياسر الحوراني، عن خطة اقتصادية طارئة لإعادة تشغيل الموانئ والمطارات وتأهيل شبكات الكهرباء والمياه خلال العامين المقبلين.

سوريا الحرة.. من الثورة إلى الدولة

الانتخابات الجارية تمثل نقطة تحوّل رمزية في مسار الثورة السورية. فبعد أن كانت البنادق هي التي تحسم الميدان، باتت صناديق الاقتراع هي التي تحدد المستقبل. ومن بين المشاهد اللافتة اليوم، اصطفاف نساء سوريات يرتدين العلم الجديد، وهنّ يقلن أمام الكاميرات: “صوتنا اليوم أقوى من رصاصهم بالأمس”.

بهذا المشهد، تكتب سوريا فصلاً جديدًا في تاريخها، بعد أن دفعت ثمناً باهظًا من الدم والدمار والتهجير. فنجاح أول انتخابات بعد سقوط الأسد لا يمثل مجرد استحقاق دستوري، بل هو إعلان ميلاد الجمهورية السورية الثالثة — جمهورية الحرية التي حلم بها السوريون منذ عام 2011.

اقرأ أيضًا : الأونروا: قرار المحكمة الأمريكية يقوّينا وحملة الاحتـ.ـلال علينا ظالمة