مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ ظهر الجمعة، بدأت الأجهزة الأمنية في قطاع غزة تنفيذ واحدة من أوسع الحملات الأمنية منذ اندلاع الحرب قبل عامين.
ففي بيان رسمي، أعلنت وزارة الداخلية الفلسطينية أن وحداتها الميدانية انتشرت في المناطق التي انسحب منها جيش الاحتلال الإسرائيلي، تمهيدًا لإعادة النظام ومعالجة مظاهر الفوضى التي خلّفها الاحتلال.
ويأتي هذا التحرك الأمني ضمن المرحلة الأولى من خطة إعادة الاستقرار للقطاع، بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي التدريجي إلى “الخط الأصفر” داخل غزة، وفق ما نص عليه اتفاق وقف النار الذي رعته واشنطن ومجموعة الوسطاء الإقليميين.

الانتشار الأمني وإعادة النظام العام
أكدت وزارة الداخلية أن “الأجهزة الأمنية تبدأ العمل الحثيث على استعادة النظام ومعالجة مظاهر الفوضى التي سعى الاحتلال لنشرها على مدار عامين”، مشيرة إلى أن الحملة تشمل جميع محافظات القطاع من بيت حانون شمالاً حتى رفح جنوبًا.
وبحسب البيان، فإن هذه الخطوة تمثل عودة الدولة ومؤسساتها إلى الميدان بعد فراغ أمني فرضته الحرب الطويلة، في محاولة لإعادة الحياة الطبيعية وضبط الانفلات الأمني الذي تفاقم في الأسابيع الأخيرة مع انسحاب جيش الاحتلال من عدة مناطق.
وذكرت مصادر أمنية أن الخطة تشمل تسيير دوريات ليلية ونهارية في المدن والمخيمات، وتفعيل نقاط التفتيش، إلى جانب تأمين عودة السكان إلى المناطق المدمرة وتنظيم حركة السير والإغاثة. وتأتي هذه الإجراءات بينما بدأت مئات آلاف الأسر الفلسطينية العودة من جنوب القطاع إلى شماله عبر شارعي صلاح الدين والرَّشيد، وسط مشاهد مؤثرة لناسٍ يعودون إلى ركام منازلهم.
حملة لملاحقة المنفلتين والمتعاونين
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام محلية، فإن الحملة الأمنية الجارية لا تقتصر على الانتشار الميداني، بل تشمل عملية شاملة لضبط العناصر المنفلتة أمنيًا والمتورطين في أعمال تخريب أو تعاون مع الاحتلال خلال فترة الحرب. وقد بدأت الأجهزة الأمنية، فعليًا، بإصدار بلاغات رسمية تدعو المطلوبين لتسليم أنفسهم خلال 48 ساعة إلى أقرب مركز أمني، محذّرة من اتخاذ إجراءات صارمة ضد من يتخلف عن ذلك.
وقالت مصادر مطّلعة إن البلاغات شملت فئات مختلفة، منها من تورط في نهب أموال المواطنين أو استغلال المساعدات الإنسانية، ومنها من شارك في بث الشائعات أو في أعمال قطع الطرق وإثارة الفوضى. وأوضحت الداخلية أن من يسلم نفسه طوعًا ستُؤخذ مبادرته بعين الاعتبار عند تقدير العقوبة، في حين سيواجه المتخلفون “إجراءات قانونية صارمة وفق مقتضيات المصلحة العامة وحماية السلم الأهلي”.
استعادة هيبة القانون ومحاسبة الفاسدين
تؤكد الأجهزة الأمنية في غزة أن الحملة الجارية ليست انتقامية، بل تهدف إلى فرض سيادة القانون وردع كل من استغل فترة الحرب لتحقيق مكاسب شخصية أو أضرّ بالمجتمع. ووفق مصادر أمنية، فقد فُتحت ملفات تحقيق بحق بعض التجار الذين احتكروا السلع الأساسية أو نهبوا المساعدات، بالإضافة إلى متورطين في جرائم سرقة واعتداء. كما يجري العمل على تتبّع بعض الحسابات الإلكترونية التي ساهمت في نشر دعاية الاحتلال أو بث الفتن بين الأهالي خلال فترة العدوان.
ويرى مراقبون أن هذه الحملة تمثل خطوة ضرورية لترسيخ الاستقرار الداخلي، خصوصًا بعد عامين من الانهيار المؤسسي شبه الكامل الذي سببه القصف المتواصل، وتفكك شبكات الإمداد، وغياب الأجهزة الأمنية في مناطق المواجهة المباشرة. ويُنتظر أن تؤدي الحملة إلى إعادة الثقة بين المواطنين والمؤسسات الحكومية، خصوصًا في ظل الإقبال الواسع من السكان على العودة إلى مناطقهم رغم الدمار الهائل الذي خلفه الاحتلال.
انسحاب إسرائيلي يعكس فشل الاحتلال واستمرار المقاومة
في المقابل، يواصل جيش الاحتلال انسحابه التدريجي من مدينة غزة ومحيطها إلى مواقع جديدة داخل القطاع، في إطار المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار. وبحسب تقارير ميدانية، فإن الانسحاب كشف عن حجم الدمار غير المسبوق الذي خلّفته الحرب، من أحياء محطمة بالكامل إلى بنى تحتية مدمرة ومؤسسات حكومية وأمنية أُعيد تدميرها مرارًا.
ورغم الانسحاب، تشير تقارير المقاومة إلى استمرار استعداداتها الدفاعية في مختلف مناطق القطاع، في تأكيد منها على أن وقف إطلاق النار لا يعني نهاية الصراع بل بداية مرحلة جديدة من إعادة التموضع وإعادة البناء. وتؤكد فصائل المقاومة أن ما جرى هو “انسحاب تكتيكي فرضته صمود المقاومة وثباتها”، مشددة على أن غزة لن تُسلّم سلاحها وأنها ستواصل حماية حدودها وسكانها.
خاتمة: غزة بين الأمن والمقاومة وإعادة البناء
تفتح الحملة الأمنية في غزة فصلًا جديدًا بعد عامين من الحرب المدمّرة، عنوانه “استعادة الدولة للميدان”. فبينما تعمل الأجهزة الأمنية على فرض النظام ومحاسبة المنفلتين، تستمر فصائل المقاومة في ترميم قدراتها والاستعداد لأي خرق للاتفاق، في مشهد يعكس أن القطاع يعيش لحظة مزدوجة بين إعادة البناء واستمرار التحدي.
ومع بدء عودة الحياة تدريجيًا، يواجه الغزيون مهمة شاقة: إعادة إعمار ما دمرته الحرب وترميم نسيجهم الاجتماعي المنهك. لكن بعودة الأجهزة الأمنية إلى الميدان، واستمرار المقاومة في مواقعها، يبدو أن غزة ماضية في طريقها نحو استعادة توازنها بين الأمن والمقاومة، بين إدارة الداخل ومواجهة الاحتلال. فغزة التي لم تُكسر رغم عامين من الإبادة، تُعيد اليوم بناء نفسها على ركام الحرب، بسواعدٍ تمسك بالبندقية بيدٍ، وبالعدالة والنظام باليد الأخرى.
اقرأ أيضًا : إسرائيل تُفشل إطلاق مروان البرغوثي في اللحظة الأخيرة.. مناورة نتنياهو التي تهدد اتفاق التبادل