تحول احتفال نظمته الحكومة الإسرائيلية في “ميدان الأسرى” وسط تل أبيب مساء السبت إلى ما يشبه محاكمة علنية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعدما قاطع آلاف المحتشدين كلمة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف بصيحات استهجان حادة فور ذكره اسم نتنياهو.
فقد صعد ويتكوف إلى المنصة معلنًا أن “اتفاق وقف إطلاق النار في غزة كان يُعد مستحيلاً، لكنه تحقق بفضل شجاعة الأطراف”، غير أن الجمهور ردّ عليه بصافرات استهجان عندما توجه بالشكر إلى نتنياهو ووزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، في مشهدٍ عكس عمق الانقسام الداخلي الإسرائيلي بعد حربٍ دامت عامين على غزة وانتهت بوقفٍ لإطلاق النار فرضته المقاومة أكثر مما صنعته الحكومة.
الاحتفال الذي أرادته حكومة نتنياهو لحظة انتصارٍ رمزي تحوّل إلى لحظة سقوطٍ سياسي ومعنوي، إذ تعالت الهتافات المنددة برئيس الوزراء، وارتفعت لافتات تصف اتفاق غزة بأنه “هزيمة مقنّعة”، فيما بدت علامات الارتباك على وجوه المسؤولين الإسرائيليين الحاضرين، بينما اكتفى ويتكوف بابتسامةٍ مصطنعة، وواصل حديثه عن “شجاعة العائلات الإسرائيلية وصمودها” في محاولة لاحتواء المشهد المتوتر.
ויטקוף הודה לנתניהו ודרמר – הקהל בת”א הגיב בקריאות בוזhttps://t.co/EhbyCZcKe1 pic.twitter.com/fkkZAtqOFv
— חדשות 13 (@newsisrael13) October 11, 2025
الدبلوماسية الأميركية تحتفي بـ”سلام المقاومة”
رغم الفوضى في الميدان، لم يُخفِ ويتكوف فخره بالاتفاق الذي رعته واشنطن بين إسرائيل وحركة حماس بوساطةٍ قطرية ومصرية وتركية مشتركة، مؤكدًا أن “الرئيس الأميركي دونالد ترامب أثبت أن السلام في الشرق الأوسط ليس مستحيلاً”. وأشاد بالدور “الحاسم” للدوحة والقاهرة وأنقرة في التوصل إلى الاتفاق، قائلاً: “نشكر قادة تركيا وقطر ومصر على ما بذلوه من جهد للوصول إلى هذه اللحظة”.
وفي الوقت ذاته، قال جاريد كوشنر، صهر ترامب، خلال الفعالية نفسها إن “المرحلة الأولى من صفقة غزة كانت مليئة بالصعوبات، لكننا نجحنا وسنحتفل الاثنين بالإفراج عن الرهائن”، في إشارة إلى بدء تنفيذ عملية تبادل الأسرى التي تعد البند الأبرز في الاتفاق.
غير أن حضور كوشنر وويتكوف إلى تل أبيب في هذا التوقيت، وفي ظل انسحاب الجيش الإسرائيلي من أجزاء واسعة من غزة، بدا للكثيرين بمثابة محاولةٍ أميركية لتثبيت صورةٍ انتصارٍ دبلوماسي لترامب قبل الانتخابات، في مقابل سقوط نتنياهو داخليًا بعد أن فشل في تحقيق وعوده بالقضاء على حماس. فالمقاومة، رغم حجم الدمار الهائل، خرجت من الحرب قائمةً بقوتها السياسية والعسكرية، وفرضت شروطها في الميدان والمفاوضات معًا، وهو ما أكده محللون إسرائيليون بأن “نتنياهو لم ينتصر، بل أُجبر على قبول ما كان يرفضه قبل عامين”.
المشهد الميداني ورسائل ما بعد الحرب
وفي مشهد لافتٍ يعكس التحول في المشهد الإقليمي، أعلن الجيش الإسرائيلي أن ويتكوف وكوشنر زارا اليوم السبت قطاع غزة برفقة رئيس الأركان إيال زامير وقائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر، للاطلاع على الترتيبات الأمنية والإنسانية بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ. وأكد بيان الجيش أن الزيارة جاءت “لمتابعة إجراءات تثبيت وقف إطلاق النار”، وهو ما اعتبره مراقبون دلالةً على أن القرار الفعلي بات بيد الأميركيين الذين يشرفون على مرحلة ما بعد الحرب في غزة، بينما تراجع الدور الإسرائيلي إلى مستوى المتلقي لتوجيهات واشنطن والوسطاء.
ويأتي هذا التطور بعد إعلان الرئيس ترامب نجاح الوساطة الأميركية في “إرساء اتفاق سلام شامل بغزة”، تمهيدًا لمرحلة إعادة الإعمار ومحادثاتٍ أوسع تشمل السلطة الفلسطينية ودول المنطقة. وقد دخل الاتفاق حيز التنفيذ منذ ظهر الجمعة، مع بدء انسحاب جزئي للجيش الإسرائيلي من القطاع، بعد حربٍ داميةٍ وصفتها منظمات حقوقية بأنها إبادةٌ جماعية أوقعت أكثر من 67 ألف شهيد و170 ألف جريح، بينهم آلاف الأطفال، إضافة إلى 460 حالة وفاة بسبب التجويع والحصار.
هذه الأرقام الكارثية، إلى جانب الصمود الشعبي الفلسطيني واستمرار المقاومة في الميدان حتى اللحظة الأخيرة، جعلت كثيرين يرون أن ما جرى ليس سلامًا تمليه إسرائيل، بل هزيمة سياسية نتجت عن مقاومة صلبة قلبت المعادلة وأجبرت واشنطن على التدخل لإنقاذ تل أبيب من مأزقها العسكري والسياسي.
سقوط نتنياهو وصعود خطاب المقاومة
الاحتفال الذي خُطِّط له ليكون تتويجًا لانتصارٍ إسرائيلي، كشف عن انهيار الثقة الجماهيرية في نتنياهو وحكومته. فالهتافات التي دوّت في الميدان لم تكن مجرد تعبيرٍ عن غضبٍ عابر، بل إعلان رفضٍ علني لسياساتٍ أوصلت إسرائيل إلى طريقٍ مسدود. وفي المقابل، يقرأ مراقبون المشهد باعتباره نصرًا للمقاومة الفلسطينية التي تمكنت من إسقاط صورة نتنياهو عالميًا ومحليًا؛ إذ فشل في تأمين الأسرى بالقوة، وانتهى به الأمر إلى الرضوخ لشروط حركة حماس.
حتى في الداخل الإسرائيلي، بدأ الحديث يتصاعد عن تشكيل لجنة تحقيق في إخفاقات الحرب، بينما تتحدث وسائل إعلام عبرية عن انقساماتٍ حادة داخل الائتلاف الحاكم، وتراجعٍ غير مسبوق في شعبية نتنياهو الذي بات يوصف بأنه “عبءٌ على الدولة”.
في المقابل، يرى محللون فلسطينيون أن المشهد في تل أبيب يعكس اعترافًا غير مباشر بانتصار المقاومة، وأن صيحات الاستهجان ضد نتنياهو في قلب العاصمة الإسرائيلية تمثل لحظة رمزية تؤرخ لانكسار هيبة الاحتلال، بعد عامين من المجازر والحصار، ليخرج ويتكوف وكوشنر محاطين بالتصفيق الأميركي والرفض الشعبي الإسرائيلي، في مشهدٍ يلخص معادلة جديدة:
الميدان لغزة، والدبلوماسية لواشنطن، والسقوط لنتنياهو.
اقرأ أيضًا : تمويل إماراتي.. مقتل 30 نازحًا في الفاشر بقصفٍ جديد لطائرات الدعم السريع