انطلقت، الاثنين، “قمة شرم الشيخ للسلام” في أجواء سياسية متوترة، لتكون أول قمة دولية تُعقد بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وشارك فيها أكثر من 20 زعيمًا ومسؤولًا عالميًا، برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وبحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

وفي ختام القمة، وُقعت وثيقة حملت عنوان “اتفاق غزة”، مثّلت -بحسب تصريحات منظّميها- خطوة رمزية نحو “السلام الدائم”، غير أنها أثارت جدلاً واسعًا بسبب غياب طرفي النزاع الأساسيين: المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي.

الوثيقة التي وقّعها القادة الأربعة جاءت بلغةٍ فضفاضة تُشبه بيانات النوايا أكثر من كونها اتفاقًا ملزمًا، وجاء فيها:

“نتعهد بجلب منطقة يستطيع فيها الناس متابعة تطلعاتهم نحو السلام والأمن والرخاء الاقتصادي دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو الأصل”.

وأضافت:

“نطمح إلى رؤية شاملة للسلام تقوم على الاحترام المتبادل والمصير المشترك”.

وختمت الوثيقة بتأكيد التزام القادة بـ”وضع أسس إقليمية تتيح للأجيال القادمة المضي قدماً نحو مستقبل سلمي”.

ترامب يعلن المرحلة الثانية من خطته

وخلال مراسم التوقيع، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدء “المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار في غزة”، في إشارة إلى تحركٍ سياسي جديد ضمن ما وصفه بـ”خطة السلام الشامل للشرق الأوسط”.

وقال ترامب: “هذا الاتفاق سوف يصمد، وهناك تقدم هائل قادم بعد قمة شرم الشيخ”، مضيفًا أن غزة “بحاجة إلى تنظيف شامل من الركام والأنقاض”، وأن “دولاً غنية ستساهم في إعادة إعمار القطاع”.

ورغم نبرته المتفائلة، فإن تصريحات ترامب خلت من أي تفاصيل عملية حول ضمانات التنفيذ، أو عن مصير الاحتلال الإسرائيلي الذي انسحب مؤقتًا من القطاع، أو حتى عن موقع المقاومة الفلسطينية من أي ترتيبات مستقبلية.

كما غادر ترامب مدينة شرم الشيخ على الفور بعد التوقيع، ما فسّره مراقبون بأنه إشارة رمزية إلى أن “القمة كانت أقرب إلى إعلانٍ إعلامي منه إلى اتفاق سياسي فعلي”.

مصر تؤكد التزامها بمسار سياسي

من جانبها، أصدرت الرئاسة المصرية بيانًا قالت فيه إن القمة شددت على ضرورة البدء في “التشاور حول سبل وآليات تنفيذ المراحل المقبلة من خطة الرئيس ترامب”، مؤكدة أن المشاركين “أشادوا بجهود مصر وبدور قطر وتركيا في الوساطة”.

وأشار البيان إلى أن القمة تناولت قضايا عدة، من بينها وقف الحرب بصورة شاملة، وتبادل الأسرى، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإدخال المساعدات الإنسانية، وصولًا إلى “البدء في المسار السياسي للتسوية وإعادة إعمار غزة”.

لكن اللافت في البيان كان تجاهله لأي ذكر مباشر للمقاومة الفلسطينية أو الحكومة الإسرائيلية، ما أثار تساؤلات حول واقعية الاتفاق، ومدى قابليته للتطبيق في ظل غياب الممثلين الحقيقيين للصراع.

اتفاق بلا أطراف الحرب

يرى محللون أن “اتفاق غزة” يشبه في مضمونه مؤتمرات السلام القديمة التي كانت تُعقد في غياب الفاعلين الحقيقيين. فالمقاومة، التي تدير قطاع غزة وتملك زمام القوة على الأرض، لم تُدعَ إلى المشاركة، كما أن الحكومة الإسرائيلية اكتفت بتمثيل رمزي عبر وفد أمني دون توقيع رسمي على الوثيقة.

ويقول مراقبون إن ذلك يعكس رغبة الأطراف الدولية في “تسويق لحظة سياسية” تُظهر واشنطن والقاهرة وأنقرة والدوحة كوسطاء ناجحين، دون التورط في التعقيدات الميدانية والسياسية التي لا تزال معلّقة.

ويرى آخرون أن الوثيقة، بمضمونها الأخلاقي والإنشائي، تعيد إنتاج خطاب “السلام الاقتصادي” الذي روّجت له الإدارات الأمريكية السابقة، لا سيما خلال صفقة القرن، حيث يُختزل الصراع في بعدٍ اقتصادي وإنساني، بينما تُهمَّش القضايا الجوهرية كإنهاء الاحتلال وحق العودة وتقرير المصير.

رمزية القمة ورسائلها الإقليمية

تكتسب القمة دلالات رمزية أكثر من كونها عملية؛ فهي تجمع أربعة أطراف تمثل محاور متباينة في الإقليم — مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة — في لحظة توافق نادرة بعد سنوات من التباين في الملف الفلسطيني.

ويشير مراقبون إلى أن اختيار شرم الشيخ مكانًا لعقد القمة لم يكن صدفة؛ فالمكان يحمل رمزية اتفاقات السلام القديمة، ويعكس رغبة السيسي في الظهور كـ”عرّاب جديد للاستقرار الإقليمي” تحت المظلة الأمريكية.

كما أن مشاركة قطر وتركيا — رغم دعمهما التاريخي لحماس — تعني أنهما قررتا الدخول في مسار “التهدئة الدائمة” كجزء من تفاهمات إقليمية أوسع تشمل ملفات الطاقة والحدود والممرات التجارية.

سلام ناقص ومشهد ضبابي

رغم الضجة التي رافقت الإعلان عن “وثيقة اتفاق غزة”، إلا أن غياب توقيع الاحتلال والمقاومة يجعلها في نظر المراقبين “سلامًا ناقصًا” يفتقر إلى الأساس الواقعي.

فلا توجد ضمانات لوقف دائم لإطلاق النار، ولا آلية واضحة لإعادة الإعمار أو لتأمين الممرات الإنسانية، فضلًا عن غياب تصور سياسي لمستقبل الحكم في غزة.

وبينما يروّج ترامب للاتفاق كـ”نقطة تحوّل”، يخشى الفلسطينيون أن تكون الوثيقة غطاءً لإعادة تأهيل الاحتلال سياسيًا وإعادة إنتاج وصاية دولية على القطاع، تحت شعار “إعمار غزة مقابل نزع سلاحها”.

وفي المحصلة، تظل قمة شرم الشيخ حدثًا رمزيًا أكثر منه مفصليًا، يعكس توازنات القوى في المنطقة أكثر مما يعبر عن إرادة الشعوب. فالاتفاق وُقّع بأيدي من لا يخوضون الحرب، وغاب عنه من يدفعون الثمن في الميدان.

خلاصة:

“وثيقة اتفاق غزة” قد تكون بداية لمسار دبلوماسي جديد، لكنها في جوهرها استمرار لسياسات قديمة تحاول إدارة الصراع لا حله. وبينما يحتفي القادة بالتوقيع في شرم الشيخ، يظل السؤال قائمًا: هل يمكن لسلام يُصاغ بعيدًا عن غزة أن يصمد يومًا واحدًا داخلها؟

اقرأ أيضًا : تصفية المقاومة لعملاء الاحتلال.. داخلية غزة تعلن السيطرة الكاملة على المليشيا المسلحة واعتقال العشرات