تعيش غزة واحدة من أفظع الكوارث الإنسانية في تاريخها الحديث، إذ أكد المكتب الإعلامي الحكومي في القطاع أن حرب الإبادة الإسرائيلية أدت إلى نزوح نحو مليوني فلسطيني وتشريد أكثر من 288 ألف أسرة، في ظل ظروف مأساوية تنذر بكارثة متفاقمة مع اقتراب فصل الشتاء.

وقال مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة في حديثه لقناة الجزيرة إن نسبة العجز في توفير المأوى بلغت 96%، مشيرًا إلى أن 1.5 مليون شخص فقدوا منازلهم كليًا ويحتاجون إلى إيواء عاجل، في وقت ما زالت الجهود المحلية والدولية عاجزة عن الاستجابة لحجم الكارثة.

ووفقًا لتقديرات المكتب، فإن خسائر قطاع الإسكان تجاوزت 28 مليار دولار، بعد أن بلغت نسبة الدمار الكامل في غزة 90% من إجمالي البنى التحتية والمباني السكنية، ما يجعل إعادة الإعمار مهمة شبه مستحيلة في المدى القريب دون تدخل دولي واسع.

أزمة مأوى خانقة ومعاناة بلا حدود

دعا المكتب الإعلامي الحكومة الأميركية، وعلى رأسها الرئيس دونالد ترامب، إلى ممارسة ضغوط فورية على الأطراف المعنية لإدخال 300 ألف خيمة قبل حلول الشتاء، لتوفير مأوى مؤقت لعشرات آلاف الأسر التي “تفترش الأرض دون أي مقومات للحياة”، وسط ما وصفه بـ”الإبادة بأشكال مختلفة” تمارسها إسرائيل ضد المدنيين في القطاع.

وفي شهادة تعكس عمق المأساة، قال محمد الصالحي، رئيس لجنة الطوارئ في بلدية النصيرات وسط القطاع، إن مئات آلاف النازحين اضطروا للإقامة في مناطق غير آمنة وتفتقر إلى أبسط الخدمات، حيث أقام البعض خيامًا على الأرصفة والطرقات، فيما تكدست عائلات أخرى في غرف ضيقة وملاجئ غير مجهزة تستوعب أضعاف طاقتها.

وأضاف الصالحي أن الوضع الإنساني “يتجاوز حدود التحمل”، وأن البلديات باتت عاجزة عن إدارة الأزمة مع الانقطاع التام للكهرباء، وشح المياه الصالحة للشرب، وتدهور خدمات الصرف الصحي، ما ينذر بانتشار الأوبئة في المخيمات المكتظة.

انهيار البنية التحتية وغياب الحلول

من جهته، أكد هاميش يونغ، منسق الطوارئ الأول في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، أن نوعية المساعدات التي يحتاجها الفلسطينيون لا تقل أهمية عن كميتها، موضحًا أن الأولويات تشمل توفير الخيام والمشمعات ومياه الشرب النظيفة ومرافق الصرف الصحي الأساسية.

وقال يونغ إن استمرار منع دخول المساعدات الأساسية “يعمّق الجريمة الإسرائيلية بحق المدنيين”، داعيًا إلى رفع جميع القيود المفروضة على دخول المساعدات عبر المعابر الحدودية لتلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة.

ورغم هذه النداءات، تواصل إسرائيل إغلاق جميع معابر قطاع غزة منذ الثاني من مارس/آذار الماضي، مانعة دخول الغذاء والدواء والمستلزمات الضرورية للحياة، بينما تتكدس آلاف الشاحنات عند الجانب المصري من معبر رفح بانتظار السماح بدخولها، إلا أن سلطات الاحتلال ترفض فتح المعبر وتربط ذلك بما تسميه “إعادة جثامين الأسرى الإسرائيليين المتبقية”، في خرق واضح للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.

إبادة شاملة تحت غطاء الدعم الأميركي

منذ الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تشن إسرائيل حرب إبادة غير مسبوقة على القطاع، بدعم سياسي وعسكري أميركي مباشر، أسفرت عن استشهاد أكثر من 68 ألف فلسطيني، وإصابة 170 ألفًا آخرين، معظمهم من الأطفال والنساء.

وتشير تقارير المنظمات الحقوقية إلى أن هذه الأرقام لا تعكس سوى جزء من الواقع، إذ ما زال آلاف المفقودين تحت الركام، فيما تتعمد إسرائيل تدمير المنشآت المدنية والبنى التحتية الحيوية بما يشمل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء.

وتقول منظمات أممية إن ما يجري في غزة يمثل نموذجًا كلاسيكيًا لجريمة الإبادة الجماعية، حيث يتم استهداف مقومات الحياة الأساسية للسكان المدنيين لإجبارهم على الرحيل أو الموت، وهو ما وصفه خبراء القانون الدولي بأنه سياسة “الموت البطيء” التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني بمباركة من القوى الكبرى.

مأساة مفتوحة على المجهول

في ظل هذه المعطيات، يقف 288 ألف أسرة في مهب المجهول، بلا مأوى ولا مستقبل واضح، بينما تتراكم الأزمات فوق بعضها: دمار شامل، نقص في الغذاء والماء، تفشي الأمراض، وانعدام الأمن.

ويحذر مسؤولون محليون من أن استمرار الحصار ومنع دخول مواد البناء والمساعدات سيجعل القطاع غير قابل للحياة لسنوات طويلة، مشيرين إلى أن “ما لم يتحرك المجتمع الدولي لفرض حل إنساني عاجل، فإن فصل الشتاء المقبل قد يتحول إلى مقصلة جماعية لآلاف العائلات المشردة في العراء”.

وفي وقت يكتفي العالم بالتصريحات والدعوات، يواصل الاحتلال ارتكاب جرائمه الممنهجة ضد المدنيين، بينما يواجه الفلسطينيون مصيرهم بأجسادهم العارية في مواجهة حرب الإبادة، بلا سقف يقيهم المطر، ولا خيمة ترد عنهم البرد.

ومع كل يوم يمر، تتسع الفجوة بين الشعارات الدولية عن “العدالة وحقوق الإنسان” وبين الواقع المأساوي على أرض غزة، حيث لا يزال أكثر من مليوني إنسان يعيشون بين الركام، بانتظار خيمة أو موقف إنساني يوقف سيل الدماء والمعاناة.

اقرأ أيضًا : رغم مذكرة التوقيف الدولية.. نتنياهو يعلن الترشح مجددا لرئاسة الحكومة الإسرائيلية