مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، تتزايد الإشارات حول احتمال انطلاق مسار تقارب ملموس بين السعودية وإسرائيل، مدفوعًا بجملة من العوامل الأمنية والاقتصادية الإقليمية.

ورغم الصمت الرسمي في الرياض وتل أبيب، إلا أن التحركات الدبلوماسية واللقاءات غير المعلنة تؤكد أن الطرفين يختبران المياه بهدوء، تمهيدًا لخطوات رمزية قد تسبق أي إعلان رسمي للتطبيع الكامل.

مصالح متبادلة.. وهواجس مشتركة

خلف هذا الزخم يقف تلاقي مصالح متعددة:

  • السعودية تسعى إلى ضمانات أمنية دولية وتوسيع شراكاتها الاقتصادية بما يتماشى مع “رؤية 2030”.

  • إسرائيل من جانبها تبحث عن اختراق استراتيجي جديد في العالم العربي يعزز مكانتها بعد موجة التطبيع السابقة.

  • أما القاسم المشترك بين الطرفين، فهو القلق المتصاعد من الطموحات الإيرانية في المنطقة، سواء في الملف النووي أو النفوذ الإقليمي.

النتيجة المتوقعة، وفق مراقبين، هي تقارب تدريجي قبل التطبيع، يأخذ شكل تعاون أمني واستخباراتي، واتفاقات اقتصادية محدودة، دون اعتراف دبلوماسي علني في المرحلة الأولى.

حسابات الرياض الدقيقة

تعرف السعودية أن أي خطوة تجاه إسرائيل ستكون تحت المجهر العربي والإسلامي.

القضية الفلسطينية ما زالت محور الشرعية السياسية والدينية لأي تحرك سعودي في هذا الاتجاه. ولهذا تواصل الرياض التأكيد على أن حل الدولتين شرطٌ أساسيٌ لأي اتفاق مستدام، وأن التطبيع لا يمكن أن يسبق العدالة للفلسطينيين.

القيادة السعودية تحاول بذلك الموازنة بين براغماتية المصلحة وضرورات المبدأ، في معادلة دقيقة تحمي مكانتها الإقليمية دون خسارة عمقها الشعبي والعربي.

انتخابات إسرائيل.. حافز وضغط

في المقابل، يخوض المشهد الإسرائيلي مرحلة سياسية حساسة، إذ يسعى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى تسجيل إنجاز خارجي قبل الانتخابات، في ظل أزمات داخلية متصاعدة وانتقادات حادة لسياسته في غزة.

لكن التحدي الأكبر يتمثل في أن الائتلاف اليميني الحاكم يضم أطرافًا ترفض تقديم أي تنازلات للفلسطينيين، ما يحدّ من قدرة نتنياهو على تلبية الشروط السعودية دون خسارة حلفائه.

لذلك، من المرجح أن يسعى إلى خطوات رمزية محسوبة – مثل فتح أجواء محدودة أو تعاون اقتصادي محدود – لتقديمها كإنجاز سياسي داخلي دون إثارة غضب اليمين المتطرف.

واشنطن.. اللاعب الخفي

لا يمكن فصل هذا التقارب عن دور الولايات المتحدة التي تتحرك بصمت لتقريب وجهات النظر بين الرياض وتل أبيب.

الإدارة الأميركية – الطامحة لتحقيق إنجاز دبلوماسي قبل الانتخابات الأميركية – تعرض على السعودية حزمة ضمانات أمنية واستثمارات تكنولوجية مقابل تسريع مسار التطبيع.

وفي حال تمكنت واشنطن من توفير مظلة سياسية واقتصادية مناسبة، فقد يتحول “التقارب الصامت” إلى شبه اتفاق فعلي قبل نهاية العام.

المكاسب الاقتصادية المحتملة

من الناحية الاقتصادية، يمثل أي تقارب سعودي–إسرائيلي فرصة استثمارية ضخمة للطرفين:

  • لإسرائيل: فتح سوق ضخم في قلب الخليج وفرص تعاون في مجالات الطاقة المتجددة، الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي.

  • وللسعودية: الوصول إلى التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة في مجالات الزراعة والمياه والطاقة، وتعزيز موقعها كمركز إقليمي للابتكار.

لكن هذه الفوائد تظل محفوفة بمخاطر سياسية وأمنية كبيرة، أبرزها غضب الشارع العربي والإسلامي وتداعياته على صورة المملكة ودورها القيادي.

معادلة الربح والخسارة

ما يجري حاليًا ليس صفقة علنية ولا “سلامًا تاريخيًا”، بل عملية اختبار ميدانية للتوازنات.

السعودية تتحرك ببطء لتقييم مدى جاهزية إسرائيل لتقديم تنازلات جوهرية في الملف الفلسطيني، بينما تراقب ردود الفعل الإقليمية عن كثب.

وفي المقابل، تحاول إسرائيل أن تستثمر اللحظة الانتخابية لخلق واقع جديد يكرّس قبولًا تدريجيًا بوجودها في الخليج دون تكلفة سياسية فورية.

خلاصة المشهد

الاحتمال الأقرب هو إطلاق مرحلة تقارب تدريجي قبل التطبيع الكامل، تتضمن تفاهمات أمنية واقتصادية خلف الأبواب المغلقة، تمهيدًا لإعلان سياسي أوسع في وقت لاحق.

لكن نجاح هذا المسار يعتمد على قدرة الرياض على الحفاظ على توازنها العربي والإسلامي، وعلى استعداد إسرائيل لتقديم ما يكفي من التنازلات للفلسطينيين لتجنّب انفجار شعبي عربي جديد.

وفي حال فشلت المعادلة، فقد تتحول محاولة التقارب إلى أزمة دبلوماسية مؤجلة، تُعيد المنطقة إلى حالة الاستقطاب التي سبقت موجة التطبيع الأولى.

اقرأ أيضا: صحيفة عبرية تكشف: السعودية والإمارات تطالب واشنطن بنزع سلاح حماس !