تعيش مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، واحدة من أعنف فصول الحرب السودانية، بعد إعلان قوات الدعم السريع سيطرتها على المدينة عقب معارك ضارية استمرت أكثر من عام من الحصار والقصف. وقالت مصادر عسكرية سودانية للجزيرة إن الجيش أخلى مقرّ قيادة الفرقة السادسة مشاة، وانسحب إلى حي الدرجة الأولى ومحيط جامعة الفاشر، في خطوة وُصفت بأنها “تكتيكية” لاستعادة السيطرة لاحقًا.

لكن هذه الرواية لم تُقنع المراقبين، إذ بدت مؤشرات الانهيار الميداني واضحة، خاصة مع ظهور مقاطع مصوّرة لمقاتلي الدعم السريع يحتفلون داخل مقرّ الفرقة السادسة، وسط تراجع واضح لقوات الجيش في مواقع رئيسية.

ويمثّل سقوط الفاشر -إذا تأكد- تحولًا استراتيجيًا بالغ الخطورة، إذ يعني بسط الدعم السريع سيطرته الكاملة على إقليم دارفور بخمس ولاياته، ما يكرّس واقعًا جغرافيًا جديدًا يقسّم السودان فعليًا إلى شرق يسيطر عليه الجيش وغرب خاضع لقوات محمد حمدان دقلو (حميدتي). هذه السيطرة تأتي في سياق مشروع سياسي وعسكري يتجاوز حدود الإقليم، ويمتد إلى طموحات إقليمية تدعمها أطراف خارجية، في مقدمتها الإمارات، المتهمة منذ شهور بتغذية الصراع وتمويل المليشيات بالسلاح والمال.

جرائم حرب ومأساة إنسانية

تزامن التقدم العسكري للدعم السريع مع انهيار الوضع الإنساني في المدينة. وقالت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية سليمى إسحاق للجزيرة إن آلاف المدنيين في الفاشر يتعرضون لمخاطر جسيمة نتيجة قصف عشوائي تشنه مليشيا الدعم السريع ضد الأحياء السكنية، مؤكدة أن الحرب “موجهة ضد المدنيين بالدرجة الأولى”، ومحملة المجتمع الدولي مسؤولية التخاذل في حمايتهم.

من جانبها، أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل ممرض وإصابة ثلاثة من الكوادر الطبية في قصف مدفعي استهدف مستشفى الفاشر، معتبرة أن استهداف المرافق الصحية “جريمة حرب مكتملة الأركان”، وانتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.

وأشارت الشبكة إلى أن قصف المستشفيات ليس حادثًا معزولًا، بل جزء من “سياسة ممنهجة” تمارسها قوات الدعم السريع في دارفور، هدفها شلّ القطاع الصحي وإجبار المدنيين على النزوح.

المنظمات الدولية دقت بدورها ناقوس الخطر. ففي بيان مشترك، حذرت المنظمة الدولية للهجرة واليونيسف والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي من تفاقم الأزمة الإنسانية في دارفور، مشيرة إلى أن “مجموعات بأكملها تعيش في ظروف تتنافى مع الكرامة الإنسانية”. وطالبت تلك الوكالات بـ“تحرك عاجل لحماية المدنيين ومعالجة المعاناة الهائلة الناتجة عن النزاع”.

وتؤكد تقارير ميدانية أن الفاشر أصبحت مدينة منكوبة، إذ تُحاصر منذ 10 مايو/أيار الماضي، ما أدى إلى انقطاع الإمدادات الغذائية والطبية وانهيار الخدمات الأساسية. كما باتت المدينة مركزًا متعثرًا للعمليات الإنسانية في إقليم دارفور، الذي يقطنه أكثر من 7 ملايين شخص، نزح منهم نحو نصف السكان.

توسع رقعة الصراع نحو كردفان

لم تقتصر المعارك على دارفور، إذ أعلنت منظمة الهجرة الدولية نزوح أكثر من 340 شخصًا من قرية أم بشار بولاية شمال كردفان إثر هجوم شنته قوات الدعم السريع. وذكرت المنظمة أن النازحين يعيشون في العراء بمناطق متفرقة داخل محلية الرهد، بينما تواصل المليشيا هجماتها للسيطرة على المناطق المحيطة بمدينة الرهد الاستراتيجية، التي تُعد عقدة مواصلات مهمة تربط غرب السودان بشرقه ووسطه.

وشهدت المدينة نفسها معارك عنيفة في فبراير/شباط الماضي انتهت بسيطرة الجيش عليها، لكن عودة الاشتباكات تؤكد سعي الدعم السريع لتوسيع رقعة نفوذه باتجاه العمق السوداني وربط خطوط إمداده الممتدة من دارفور إلى كردفان، في محاولة لفرض أمر واقع قبل أي تسوية سياسية محتملة.

اتهامات مباشرة للإمارات

في خضم هذه التطورات، تتصاعد الاتهامات ضد الإمارات العربية المتحدة بلعب دور خفي ومباشر في تأجيج الحرب. فبحسب تقارير استخباراتية وإعلامية متقاطعة، نقلت طائرات إماراتية شحنات أسلحة عبر مطارات تشادية وسودانية، وصلت لاحقًا إلى يد قوات الدعم السريع. كما أشارت مصادر في الخرطوم إلى أن أبوظبي تقدم دعما لوجستيا وتمويليا يهدف إلى ترجيح كفة حميدتي على حساب الجيش، ضمن استراتيجية تهدف إلى تعزيز نفوذها في غرب السودان وفتح ممرات تجارية وعسكرية نحو القرن الأفريقي.

وترى الخرطوم أن هذا الدعم يشكل تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية، وأسهم في تمديد أمد الحرب التي أودت بحياة أكثر من 15 ألف شخص وأجبرت نحو 14 مليونًا على النزوح، وفق تقديرات الأمم المتحدة. كما أدى إلى انهيار شبه كامل في المؤسسات المدنية، وتحول المدن الكبرى إلى ساحات قتال مفتوحة.

نداء الخرطوم.. وغياب المجتمع الدولي

أمام هذا الواقع، دعت الحكومة السودانية في بيان رسمي إلى تحرك دولي عاجل لحماية المدنيين في الفاشر ووقف ما وصفته بـ“الجرائم الممنهجة” التي ترتكبها مليشيا الدعم السريع بحق السكان العزّل.

وأكد البيان أن استمرار الصمت الدولي يشجع المليشيات على ارتكاب مزيد من الفظائع، محمّلاً الدول المتورطة في تسليحها –وفي مقدمتها الإمارات– مسؤولية أخلاقية وقانونية عن الجرائم الجارية في دارفور.

غير أن المراقبين يرون أن هذا النداء سيظل دون صدى فعلي، في ظل الانقسام الدولي حول الأزمة السودانية وتورط قوى إقليمية متناقضة المصالح. وبينما يواصل المدنيون في الفاشر العيش تحت القصف والحصار، تبدو دارفور اليوم على وشك السقوط الكامل في قبضة حرب الوكالة التي تمزق السودان وتعيد رسم خريطته الديموغرافية والسياسية.

اقرأ أيضًا : بدعم إماراتي.. جرائم الدعم السريع تفوق التصور في السودان