مع دخول عام الإبادة الثاني في قطاع غزة، كشفت وزارة الصحة الفلسطينية عن أرقام جديدة تُظهر حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها سكان القطاع نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسط استمرار الحصار ومنع دخول الغذاء والدواء، ما أدى إلى تفاقم معاناة المرضى والمصابين بالأمراض المزمنة.

حصيلة الإبادة تتجاوز 68 ألف شهيد

أعلنت وزارة الصحة في غزة، السبت، أن عدد الشهداء الفلسطينيين ارتفع إلى 68,858 شهيداً، فيما بلغ عدد المصابين 170,664 شخصاً منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية قبل عامين، مؤكدة أن معظم الضحايا من النساء والأطفال وكبار السن.

وأوضحت الوزارة في بيانها أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال الـ48 ساعة الماضية 22 شهيداً، من بينهم 5 شهداء جدد و17 جثماناً منتشلاً من تحت الأنقاض، إضافة إلى 9 مصابين في ظل استمرار القصف الإسرائيلي المتقطع على مناطق مختلفة من القطاع.

وفي سياق آخر، تسلمت السلطات في غزة 30 جثماناً جديداً لشهداء أفرجت عنهم سلطات الاحتلال عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر يوم الجمعة، ليرتفع العدد الإجمالي لجثامين الشهداء المستلمة إلى 225 جثماناً. وتبذل الجهات الطبية جهوداً جبارة للتعرف على هوية الضحايا رغم ضعف الإمكانات اللوجستية، إذ تُستدعى عائلات المفقودين للتعرف على ذويهم عبر الملابس أو العلامات الجسدية، في مشاهد تعكس حجم الفاجعة الإنسانية المستمرة منذ عامين.

أزمة طبية خانقة وحرمان جماعي من العلاج

إلى جانب المجازر اليومية، تواجه غزة كارثة صحية مركبة نتيجة الحصار الإسرائيلي المستمر ومنع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية. وقال مدير عام وزارة الصحة في غزة منير البرش إن أكثر من 350 ألف شخص من المصابين بالأمراض المزمنة، مثل السكري والضغط والفشل الكلوي وأمراض القلب، باتوا بلا أدوية منذ شهور.

وأوضح البرش في تصريحات لقناة الجزيرة أن الاحتلال يمنع إدخال أدوية الطوارئ والمكملات الغذائية للأطفال، إضافة إلى العلاجات المنقذة للحياة مثل أدوية السرطان وغسيل الكلى، مما ينذر بكارثة إنسانية قد تتجاوز ضحايا القصف المباشر.

وأكد البرش أن مستشفيات القطاع تعاني انقطاعاً شبه تام للأدوية الأساسية، وأن أقسام العمليات والعناية المركزة تعمل بإمدادات محدودة، مشيراً إلى أن الاحتلال “يتعمّد إطالة معاناة المرضى عبر إغلاق المعابر أمام حالات الإجلاء الطبي، بما في ذلك الأطفال المصابين بالأورام”.

وطالب المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية بالتحرك العاجل لفتح المعابر أمام المرضى وإدخال الدواء والمستلزمات الطبية، مؤكداً أن الوضع الصحي في غزة “يقترب من الانهيار الكامل”.

الدمار الكامل للبنية التحتية

على مدى عامين من القصف المتواصل، حوّلت إسرائيل قطاع غزة إلى ركام واسع النطاق. فوفق بيانات وزارة الأشغال العامة، تم تدمير أو تعطيل 90% من البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات.

وقدّرت المؤسسات المحلية خسائر القطاع بما يتجاوز 70 مليار دولار، فيما يعيش أكثر من مليون ونصف المليون نازح في ظروف مأساوية داخل مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الحياة، دون مياه شرب أو صرف صحي أو كهرباء، بينما تنتشر الأمراض المعدية بشكل واسع نتيجة التكدس وسوء التغذية.

ويُعد هذا الدمار الشامل دليلاً واضحاً على ما تصفه المنظمات الحقوقية بـ”جريمة الإبادة الجماعية البطيئة”، إذ تستهدف إسرائيل المقومات الأساسية للحياة بهدف دفع السكان إلى النزوح الجماعي أو الموت جوعاً ومرضاً.

اتفاق هش لوقف النار واستمرار المعاناة

وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تم التوصل إلى اتفاق هش لوقف إطلاق النار بين حركة حماس وإسرائيل بعد مفاوضات غير مباشرة شاركت فيها أنقرة والقاهرة والدوحة بإشراف أميركي.

لكن ورغم الهدوء النسبي على جبهات القتال، لم ينعكس الاتفاق على الأوضاع الإنسانية، إذ واصلت إسرائيل عرقلة دخول المساعدات ومنع القوافل الطبية، ما جعل القطاع رهينة حصار مزدوج من القصف والحرمان.

ويرى مراقبون أن الإبادة الجماعية التي بدأت في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم تتوقف فعلياً، بل تحولت إلى سياسة خنق بطيء تستهدف بقاء السكان في دائرة المعاناة، في ظل غياب المحاسبة الدولية والتواطؤ الأمريكي الواضح.

خاتمة: الإجرام الإسرائيلي بين الصمت الدولي وواجب المحاسبة

تؤكد الأرقام التي أعلنتها وزارة الصحة أن ما يجري في غزة ليس مجرد “حرب”، بل إبادة جماعية ممنهجة تتجلى في أعداد القتلى والمصابين، وفي موت المرضى ببطء نتيجة الحصار الطبي.

فبينما تُدفن الجثامين بلا أسماء، ويُترك الأطفال بلا دواء، يواصل الاحتلال الإسرائيلي جرائمه تحت غطاء الصمت الدولي، مستفيداً من ازدواجية المعايير الغربية التي تغض الطرف عن واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.

ويبقى السؤال الأخلاقي والسياسي المطروح اليوم: إلى متى سيستمر العالم في السكوت على إجرام الاحتلال الإسرائيلي الذي حوّل غزة إلى مقبرة جماعية وسجن مفتوح لأكثر من مليوني إنسان؟

اقرأ أيضًا : تصاعد اعتداءات المستوطنين بالضفة.. والأمم المتحدة توثق 60 هجوما في أسبوع وسط صمت وخيانة عباس