فيما يحتفل النظام الإماراتي بما يسميه “يوم العلم”، تتجدد في أذهان الشعوب العربية صور الدم والخراب التي تركتها سياسات أبوظبي في أكثر من بلد عربي، لتتحول هذه المناسبة من احتفال وطني إلى تذكيرٍ بالانقلابات والجرائم والتواطؤات التي زرعت فيها الإمارات الخراب وساهمت في تدمير حلم الربيع العربي.
من غزة المحاصرة إلى الخرطوم الجريحة، ومن شوارع القاهرة التي شهدت انقلاب السيسي، إلى صحارى ليبيا التي تحولت إلى ساحات للمرتزقة والطائرات المسيّرة الإماراتية، ومن اليمن المحاصر إلى تونس التي حاولت أبوظبي فيها وأد الثورة، يقف “يوم العلم الإماراتي” كشاهدٍ على الوجه الآخر للدبلوماسية الملوّثة بالنفط والدم.

غزة: دعم الاحتلال وتطبيع العار
في فلسطين، ارتبط اسم الإمارات بدعمٍ مباشر وغير مباشر لسياسات الاحتلال الإسرائيلي. فبينما كانت غزة تتعرض لأبشع مجازرها، كانت أبوظبي تفتح أبوابها أمام قادة الاحتلال، وتبرم معهم اتفاقات “إبراهيم” التي شرّعت التطبيع العلني، وقدّمت نموذجاً في تبرير الإبادة باعتبارها “دفاعاً عن النفس”.
موّلت الإمارات حملات دعاية لتلميع صورة إسرائيل في العالم العربي، وفتحت قنوات تجارية وأمنية مشتركة، منها مشروع “الممر الاقتصادي” بين الهند والخليج وإسرائيل، الذي يُنظر إليه على أنه محاولة لتطويق القضية الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً.
وفي المقابل، تجاهلت الإمارات آلاف الجثث في غزة ودمار المستشفيات والمدارس، بينما كان إعلامها الرسمي يتحدث عن “السلام” و“الاستقرار”، في تناقض فجّ مع حقيقة المذابح التي أيدتها بصمتها ودعمها التقني والاستخباراتي.
السودان: دماء دارفور على أموال أبوظبي
في السودان، تحولت الإمارات إلى الممول الأكبر لقوات الدعم السريع، التي ارتكبت مجازر مروعة في دارفور والفاشر خلال العامين الماضيين.
تقارير أممية وصحفية – من وول ستريت جورنال وفايننشال تايمز – كشفت عن مسارات تهريب الأسلحة الإماراتية عبر ليبيا وتشاد إلى قوات محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
هذه الأسلحة، التي شملت طائرات مسيّرة ومدرعات من طراز “نمر عجمان” وقطع غيار من شركات مرتبطة بـ”إيدج”، ساهمت في تمكين الدعم السريع من السيطرة على مناطق واسعة وارتكاب جرائم تطهير عرقي.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه أبوظبي عن “الوساطة” و“العمل الإنساني”، كان ملايين السودانيين يفرّون من منازلهم بسبب حرب غذتها الإمارات بالمال والسلاح، لتتحول دارفور إلى جحيم مفتوح بدعم إماراتي موثّق.
ليبيا: طائرات أبوظبي ومرتزقة حفتر
في ليبيا، تركت الإمارات بصمتها الواضحة في كل غارة استهدفت مدنيين، وكل مشروع انقلاب على الحكومة الشرعية.
فمنذ عام 2014، كانت أبوظبي الداعم الأول لخليفة حفتر، وقدمت له طائرات بدون طيار من نوع “وينغ لونغ” صينية الصنع، وموّلت مرتزقة من السودان وتشاد وروسيا عبر شركة “فاغنر”.
ووفق تقارير الأمم المتحدة، استخدمت الإمارات قاعدة الخادم شرق ليبيا كمركز عمليات لدعم حفتر ضد حكومة الوفاق الوطني، في خرقٍ واضحٍ لقرارات مجلس الأمن.
اليوم، لا تزال آثار تلك الغارات ماثلة في طرابلس ومصراتة وسرت، حيث سقط مئات المدنيين نتيجة الطموح الإماراتي في إعادة الاستبداد إلى ليبيا.
مصر: أبوظبي تمول انقلاب السيسي
في القاهرة، لعبت الإمارات الدور الأخطر في إجهاض الثورة المصرية، حين موّلت انقلاب عبد الفتاح السيسي عام 2013 بمليارات الدولارات.
وثّقت تقارير نيويورك تايمز وواشنطن بوست الدعم المالي والسياسي الهائل الذي قدمته أبوظبي للانقلاب، حيث تجاوز التمويل 20 مليار دولار خلال السنوات الأولى فقط، مقابل قمع الإسلاميين وتصفية التيارات الثورية.
ولم تكتفِ الإمارات بالدعم المالي، بل ساهمت في هندسة منظومة إعلامية ضخمة للترويج للسيسي في الداخل والخارج، واستضافت رجال أعمال مصريين موالين للانقلاب، لتصبح القاهرة العاصمة الثانية لمشروع “الثورات المضادة” بقيادة أبوظبي والرياض.
اليمن: حصار وتجويع وتفكيك الدولة
في اليمن، دخلت الإمارات تحت مظلة “التحالف العربي” بزعم دعم الشرعية، لكنها سرعان ما تحولت إلى قوة احتلال تسيطر على الموانئ والجزر، وتدعم مليشيات انفصالية في الجنوب.
سيطرت أبوظبي على ميناء عدن وسقطرى والمخا، ودعمت تشكيل “قوات الحزام الأمني” و“النخبة الشبوانية”، التي ارتكبت انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.
كما منعت دخول المساعدات الإنسانية إلى مناطق معينة، وسعت إلى تقسيم اليمن إلى كانتونات نفوذ.
بينما كانت الحرب تحصد أرواح مئات الآلاف، كانت شركات إماراتية تبرم عقود استثمار في موانئ مدمّرة، في مشهد يجسد الاستغلال الكامل لمعاناة الشعب اليمني.
تونس والجزائر: أموال التخريب ومحاولات الإطاحة بالديمقراطية
في تونس، لم تُخفِ الإمارات دعمها لمحاولات إسقاط التجربة الديمقراطية بعد الثورة. فقد موّلت حملات إعلامية وسياسية ضد حركة النهضة، ودعمت انقلاب قيس سعيّد على الدستور في 2021.
كشفت تقارير فرنسية وأوروبية عن تحويلات مالية ضخمة لتمويل حملات رقمية لإسقاط البرلمان، إلى جانب اتصالات مشبوهة مع أطراف في الأجهزة الأمنية.
أما في الجزائر، فحاولت الإمارات استغلال مرحلة ما بعد الحراك الشعبي للتغلغل عبر رجال أعمال وشركات، مستهدفةً تقويض النفوذ التركي والقطري في المنطقة، لكنها واجهت رفضاً شعبياً واسعاً بسبب سمعتها كـ“راعية الثورات المضادة”.
خاتمة: علم يرفرف فوق الدم
بينما ترفع الإمارات علمها مزهواً في احتفالات رسمية مصطنعة، ترفرف في وجدان الشعوب أعلام أخرى – أعلام المآسي التي صنعتها أموال أبوظبي وتحالفاتها.
من غزة إلى دارفور، ومن طرابلس إلى القاهرة وعدن وتونس، تمتد خيوط النفوذ الإماراتي لتكشف مشروعاً واحداً: وأد الثورات، وتمكين الطغاة، وتحويل المال إلى سلاح ضد الشعوب.
وهكذا، في كل “يوم علم” إماراتي، لا يحتفل الناس بإنجازٍ وطني، بل يتذكرون تاريخاً طويلاً من الخيانة والدم والخيبات.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يصعّد.. والجيش اللبناني يعلن الاستنفار جنوباً رداً على “إجرام” إسرائيل المتواصل